انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٦ - المقام الخامس الكلام في التورية
بقي هنا شيء:
و هو ما حكي في سورة الأنبياء عن إبراهيم عليه السّلام من قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ... [١] و كذا ما حكاه اللّه تعالى عنه في سورة الصافات من قوله فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ* فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [٢] و في سورة يوسف: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [٣] هل هو داخل في مسألة التورية، أو كذب جائز للإصلاح و الهداية؟ لسان الروايات فيه مختلف:
ففي بعضها يظهر منه الاحتمال الأوّل، أي التورية، فإنّه قال: «إن نطقوا فكبيرهم فعل» [٤].
و يظهر من بعضها أنّه كان من التقية.
و لكن صريح غير واحد منها أنّه كان من الكذب الجائز، للإصلاح و أنّه «لا كذب على مصلح» [٥].
و في غير واحد منها نفي الفعل و الكذب كليهما عن إبراهيم و يوسف حيث قال «ما فعل كبيرهم و ما كذب»- «و ما كانوا سرقوا و ما كذب» و تحقيق ذلك:
أوّلا: إنّ الكلام في قضيّة يوسف لم يكن منه، و لا دليل على أنّه كان بإذنه، و لعلّ المؤذّن لما فقد صواع الملك حصل له سوء ظنّ باخوة يوسف، و قال ما قال، و عدم نهي يوسف عنه لو كان بمرآه لعلّه لمصلحة هناك.
و في قضيّة إبراهيم عليه السّلام «و نظرة في النجوم ...» لعلّه كان مصابا بالحمّى أو شبهها تنوبه في أوقات معيّنة، فأراد تعيين وقتها كما قيل، و إلّا لا ربط لسقمه بمسألة النجوم، فلم يكن كاذبا، فتبقى مسألة نسبة الفعل إلى كبير الأصنام، و سيأتي جوابها.
و ثانيا: يجوز أن يكون المراد سرقة يوسف من أبيه، فتأمّل.
و أمّا نسبة الفعل إلى الصنم الكبير لعلّه كان مشروطا بنطقهم، فتدبّر.
[١]. سورة الأنبياء، الآية ٦٣.
[٢]. سورة الصافات، الآية ٨٨.
[٣]. سورة يوسف، الآية ٧٠.
[٤]. راجع تفسير البرهان، ج ٢، ص ٦٥، (ذيل الآية).
[٥]. المصدر السابق.