مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٥٤ - الخامسة إذا أسلفه في طعام بالعراق، ثمَّ طالبه بالمدينة
..........
لقيمته في بلده أو مساوية. و هذا لا شبهة فيه. إنّما الكلام فيما لو طالبه بقيمته في البلد التي يجب [١] عليه دفعه فيها، فإنّ البحث فيها حينئذ في موضعين:
أحدهما: أن يرضى المسلم إليه بدفعها، و في جوازه قولان:
أحدهما العدم، نظرا إلى أنّ القيمة عوض عن مال السلم قبل قبضه و بيعه له، و هو غير جائز، لأنّ المفروض كونه طعاما. و الثاني- و هو الأقوى- الجواز، لمنع كون ذلك بيعا، بل استيفاء للحقّ، غايته بغير جنسه. و مثل هذا لا يسمّى بيعا، فلا يحرم. نعم، ربّما قيل بكراهته خروجا من خلاف الشيخ، و تخلّصا من عرضة التحريم.
و الثاني: أن يطلب القيمة، و لا يرضى المسلم إليه بدفعها، فهل يجبر عليه، بناء على الجواز في الأول؟ الأكثر على العدم، لأنّ الواجب في ذمّته هو الطعام لا القيمة، و ما في ذمّته لا يجب دفعه في البلد المذكور، فأولى أن لا يجب دفع ما لم يجر عليه المعاوضة و لم يقتضه عقد السلم.
و ذهب بعض الأصحاب و منهم العلّامة في التذكرة [٢] إلى وجوب دفع القيمة حينئذ، محتجا بأنّ الطعام الذي يلزمه دفعه معدوم فكان كما لو عدم الطعام في بلد يلزمه التسليم فيه. و فيه منع ظاهر إذ ليس ثمَّ طعام يلزم دفعه حتى ينتقل إلى القيمة.
و علّل أيضا بأنّ منع المالك من المطالبة بحق حالّ و جعله متوقفا على الوصول إلى بلد السلم ضرر ظاهر، فإنّه ربما لم يكن له عزم العود إلى تلك البلد أصلا، أو أنّ الوصول إليه يحتاج إلى أضعاف المسلم فيه من المؤن، أو أنّ المسلم إليه قد لا يظفر به بعد ذلك فيفوت حقّه بالكلية، و ما يقتضيه العقد من ارتفاق المسلم إليه بالتسليم
[١] كذا في ما لدينا من النسخ و الظاهر «لا يجب» كما يقتضيه قوله: «و ما في ذمته لا يجب عليه دفعه في البلد المذكور» و غير ذلك من العبارات الآتية.
[٢] التذكرة ١: ٥٦١.