قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٦١ - (السادس و السبعون)
صلى عليه و مشى و قام على قبره، فعجب الناس من جرأة عمر على النبيّ، فلم يلبث الناس أن نزل قوله تعالى «وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ» [١] فلم يصلّ النبيّ (٦) على احد من المنافقين.
قلت: قوله في الخبر «فعجب الناس من جرأة عمر» لم تكن جرأته عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منحصرة بهذا الموضع، و كانت جرأته على منعه من الوصية و نسبة الهجر إليه أعجب.
و مرّت جرأته عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في قصة صلح الحديبية أيضا.
و من الغريب انّهم زادوا في آخر هذا الخبر انّه لم يطل الزمان ان نزل القرآن بتصديق عمر فترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد الصلاة على منافق، زادوا هذا ليصلحوا عواره لكنهم لا يعلمون كيف يفترون و صدق من قال «انّ الكذوب لا حافظة له» فنسى جاعل الزيادة انّ في صدر الخبر انّ عمر لمّا جذب النبيّ من خلفه قال له: أ لم ينهك اللّه أن تصلي على المنافقين. فهذا صريح في انّ نزول «و لا تصلّ على أحد منهم» كان قبل جذب عمر له و انّ عمر زعم مخالفة النبيّ للآية، فبين (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المراد من الآية بأنّ النهي فيها تنزيهيّ لا تحريميّ، و اذا كان الامام لم يفهم فالمأموم أعذر.
و لقد وضعوا له عجائب تضحك منها الثّكلى، ففي شرح المعتزلي لمّا قتل المشركون يوم بدر و أسّر منهم سبعون استشار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيهم أبا بكر و عمر، فقال ابو بكر:
هؤلاء بنو العمّ و العشيرة و الاخوان أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على المشركين و عسى اللّه أن يهديهم بعد اليوم فيكونوا لنا عضدا. فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما تقول أنت يا عمر؟ قال: أرى أن تمكنني من فلان- قريب لعمر- فاضرب عنقه و تمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه و تمكن حمزة من أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم اللّه أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، اقتلهم فانّهم صناديدهم و قادتهم. فلم يهو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما قاله عمر و هوى ما قاله ابو بكر، فأخذ منهم الفدية و خلّى سبيلهم فأنزل عليه ما انزل.
قال عمر: فجئت الى النبي فوجدته قاعدا و أبو بكر يبكيان، فقلت: ما يبكيكما حدّثاني
[١]. سورة التوبة: الآية ٨٤.