قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٢٦ - (الثالث و الستون)
قلت: أعوذ باللّه. قال: أ فما تعلم أنّ هارون كان أخا موسى لابيه و امّه. قلت: بلى. قال:
فعليّ أخو الرسول لابيه و أمّه؟ قلت: لا. قال: أو ليس هارون نبيا و عليّ غير نبيّ؟ قلت: بلى. قال: فهذان الحالان معدومان في عليّ و قد كانا في هارون، فما معنى قوله «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى؟ قلت: له إنّما أراد بذلك أن يطيب نفس عليّ لمّا قال المنافقون انّه خلفه استثقالا له. قال: فأراد أن يطيّب نفسه بقول لا معنى له؟ قال: فأطرقت. قال يا اسحاق له معنى في كتاب اللّه بيّن. قلت: و ما هو؟ قال: قوله عزّ و جلّ حكاية عن موسى إنّه قال لاخيه هارون «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» [١]. قلت: إنّ موسى خلّف هارون في قومه و هو حيّ و مضى الى ربّه، و إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خلّف عليا كذلك حين خرج الى غزاته. قال: كلّا ليس كما قلت، أخبرني عن موسى حين خلّف هارون هل كان حين ذهب الى ربّه معه أحد من اصحابه أو أحد من بني اسرائيل؟ قلت:
لا. قال: أو ليس استخلفه على جماعتهم. قلت: نعم. قال: اخبرني عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين خرج الى غزاته هل خلّف الا الضعفاء و النساء و الصبيان، فأنى يكون مثل ذلك، و له عندي تأويل آخر من كتاب اللّه يدلّ على استخلافه اياه لا يقدر أحد أن يحتج فيه و لا أعلم أحدا احتجّ به و أرجوا أن يكون توفيقا من اللّه تعالى. قلت: و ما هو؟ قال: قوله عزّ و جلّ حين حكى عن موسى قوله «وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً* إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً» [٢] يدلّ على أنّه اراد «فأنت منّي يا عليّ بمنزلة هارون من موسى وزيري من أهلي و أخي شدّ اللّه بك أزري و اشركك في أمري كى نسبح اللّه كثيرا»، فهل يقدر أحد أن يدخل في هذا شيئا غير هذا و لم يكن ليبطل قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ان يكون لا معنى له.
قال: فطال المجلس و ارتفع النهار، فقال يحيى بن اكثم القاضي للمأمون: قد أوضحت الحقّ لمن أراد اللّه به الخير و أثبت ما لا يقدر احد أن يدفعه. قال اسحاق: فأقبل علينا و قال: ما تقولون؟ فقلنا: كلّنا نقول بقول الخليفة أعزّه اللّه. فقال: و اللّه لو لا انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال «اقبلوا القول من الناس» ما كنت لأقبل منكم، اللّهم قد نصحت لهم القول
[١]. الأعراف: الآية ١٤٢.
[٢]. سورة طه: الآيات: ٢٩ الى ٣٥.