قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٠٩ - (السابع و الخمسون)
لا يأخذ إلّا حقّا و لا يضعه إلّا في حقّ: و أنت بحمد اللّه كذلك، و الملك يعسف النّاس فيأخذ مال هذا فيعطيه هذا- فسكت عمر و قال: أرجو أن أكونه.
قلت: معلوم عند كلّ أحد أنّ المتصف بصفة خلفاء اللّه الذين لا يأخذون إلّا حقّا و لا يضعونه إلا في حقّ، إنمّا هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، معلوم ذلك من سيرته (عليه السلام) عند كلّ وليّ و عدوّ حتى عمر نفسه، فقال في الشورى: لو كان السيف على عنقه لا يمنعه عن الحقّ. و حتّى عبد الرحمن بن ملجم قاتله لمّا وصّى (عليه السلام) به قال: كان دائما ملتزما بالحق آمرا بالعدل و المعروف و لا ننكر منه إلا حكميته- كما رواه السجستاني في معمّريه.
و كان (عليه السلام) لا يستعمل السياسة الدنيويّة، فرضى بترك حقّه لمّا طلب منه عبد الرحمن بن عوف البيعة معه أن عمل بسنّة الشيخين فقال: له أنا لا أعمل الا بكتاب اللّه تعالى و سنّة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و رضى بتزلزل أمره بعد قيامه، و لم يرض بابقاء معاوية ساعة على عمله لمّا أشار المغيرة بن شعبة عليه بأن صلاحه ذلك، كما انّ الرجل معلوم عند كلّ أحد أنّ سيرته كانت سيرة الملوك الدنيوية الّذين لا يراعون شرعا و لا دينا، و يكفيك من سيرته الاخبار المتقدمة و الآتية في هذه الخاتمة.
و قوله «و اللّه ما أدري أ خليفة أنا أم ملك» و ان كان كافيا فى بطلان امره حيث كان نفسه في شك من أمره، لكن لعمر اللّه درى أنّه ليس بخليفة كصاحبه الّذي استخلفه الّذي يقول فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) «أما و اللّه لقد تقمّصها فلان و انّه ليعلم انّ محلّي منها محل القطب من الرّحى» و كان اهل الكتاب أخبروه قبل الاسلام بأنّه يصير ملك العرب.
روى ابو أحمد العسكريّ انّ عمر كان خرج مع الوليد بن المغيرة- في تجارة للوليد- الى الشام و عمر يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، و كان يرعى للوليد إبله و يرفع أحماله و يحفظ متاعه، فلمّا كان بالبقاء لقيه رجل من علماء الروم فجعل ينظر إليه و يطيل النظر، قال: أظنّ اسمك يا غلام عامر أو عمران أو نحو ذلك. قال: اسمي عمر. قال: اكشف عن فخذيك، فكشف فاذا على احداهما شامة سوداء فى قدر راحة الكفّ، فسأله أن يكشف عن رأسه فاذا هو أصلع، فسأله ان يعتمد بيده فاذا أعسر أيسر، فقال له: أنت ملك العرب.
فضحك مهزأة، فقال له: أو تضحك و حقّ تضحك و حقّ مريم البتول أنت ملك العرب