قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٢١ - الفصل الثّالث في قضاياه
[١] و ابن مهديّ في النزهة عن ابن سيرين انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رأى شابا يبكي، فسأل عنه فقال: إنّ أبي سافر مع هؤلاء و لم يرجع حين رجعوا و كان ذا مال عظيم فرفعتهم الى شريح فحكم عليّ. فقال (عليه السلام) متمثّلا:
أوردها سعد و سعد مشتمل * * * يا سعد ما تروى على هذا الإبل
ثمّ قال «إنّ أهون السّقاء التشريع» أى كان ينبغي لشريح أن يستقصي في الاستكشاف و لا يقتصر على طلب البيّنة.
و رواه أبو هلال العسكريّ في أمثاله مرفوعا، و قال المثل لمالك بن زيد مناة بن تميم.
و رأى اخاه سعدا أورد إبله و لم يحسن القيام عليها- و كان مالك آبل أهل زمانه على حمقه- و كان يضرب المثل به و بحتيف الحناتم من تيم اللّات.
(قلت) و يناسب عند قوله (عليه السلام) في التمثيل بايراد الابل للماء نقل قصّة ذكرها ابن قتيبة في عيونه [٢] فقال: خرج رجل من بني أسد بإبل له يسقيها و معه ابنة له جميلة عاقلة حتّى وقع الى ماء لبني فزارة، فسألهم ان يأذنوا له في سقي إبله، فقالوا: على ألّا تجاجي بها [٣]. قال: فإذن لا تشرب شرب خير. قالوا: إن رضيت و إلّا فانصرف. فقالت الابنة: اشرط لهم ما طلبوا و أنا أكفيك، فأخذ الدّلو و جعلت الجارية تترنّح و تقول:
جارية شبّت شباب العلج * * * ذات وشاحين و ذات دملج [٤]
و ذات ثغر أشنب مفلّج * * * و ذات خلق مستتبّ مدمج
في ابيات كثيرة فشربت الابل من غير أن يجأجأ بها. و في الصّحاح جأجأت بالابل: إذا دعوتها لتشرب فقلت جئ جئ.
قلت: تقدّم في آخر الفصل الأوّل حكمه (عليه السلام) بحكم سليمان، و في أوّل الفصل الثالث حكمه (عليه السلام) بحكم دانيال، و في الخبر حكمه بحكم داود، و من هنّا شبّهه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالانبياء في اخبار مستفيضة، و لنعم ما قيل بالفارسيّة:
[١]. المستقصى في الأمثال لجار اللّه الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ ه.
[٢]. كتاب «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوريّ (عبد اللّه بن مسلم).
[٣]. جأجأ بالإبل: دعاها للشرب بقوله جئ جئ.
[٤]. العلج: حمار الوحشي السّمين، و الدملج. سوار يلبس بالمعصم.