قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٤٩ - (التاسع و الستون)
(التاسع و الستون)
في شرح ابن أبي الحديد أيضا: قد روى عن ابن عباس أيضا قال:
دخلت على عمر يوما فقال: يا ابن عباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه فى العبادة حتى نحلته رياءا. قلت: من هو؟ قال: هذا ابن عمّك- يعني عليا- قلت: و ما يقصد بالرياء؟ قال:
يرشح نفسه بين الناس للخلافة. فقلت: و ما يصنع بالترشيح و قد رشّحه لها رسول اللّه فصرفت عنه. قال: انه كان شابا حدثا استصغرت العرب سنّه و قد كمل الآن، أ لم تعلم إنّ اللّه تعالى لم يبعث نبيا إلا بعد الاربعين. قلت: أمّا أهل الحجى و النهى [١] فانّهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع اللّه منار الاسلام، و لكنّهم يعدونه محروما و محدودا. فقال أمّا أنّه سيليها بعد هياط و مياط ثم تزلّ فيها قدمه و لا يقضي منها إربه و لتكوننّ شاهدا ذلك يا عبد اللّه، ثمّ يتبين الصبح لذي عينين و تعلم العرب صحة رأي المهاجرين الأولين الذين صرفوها عنه بادي بدء، فليتني أراكم بعدي يا عبد اللّه، إنّ الحرص محرمة و إنّ دنياك كظلّك كلّما هممت به ازداد عنك بعدا.
أقول: سبحان اللّه من هذا الرجل ينسب من شهد اللّه تعالى بعصمته و طهارته و عدّه نفس نبيه تارة إلى الرياء، و قد شهد اللّه تعالى باخلاصه بالخصوص كتواضعه فضلا عن عصمته الكلية في قوله جلّ و علا «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً* إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً* إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً» [٢] و تقدم الاحتجاج به عن المأمون.
و قد أجابه ابن عباس بأنّه ما يصنع بالترشيح حتى يرائي بعد ترشيح النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) له و صرفهم له عنها إلا انّ اهل الدنيا صلبة الوجوه.
كما أنه اجابه عن قوله «استصغرت العرب سنّه» بأنّ اهل الحجى و النهى ما زالوا يعدّونه كاملا- الخ.
و معنى كلامه هذا انّك لست من أهل الحجى و النهى، كما ان معنى كلامه الاوّل أنك غيرت ما مهّده رسول اللّه و هدمت ما بناه.
و قوله «أ لم تعلم إنّ اللّه لم يبعث نبيا إلّا بعد الاربعين» يقال له في جوابه: أ لم تسمع قوله
[١]. الحجى: العقل و النهى: العقل أيضا لأنّه ينهى عن غير المعقول.
[٢]. سورة الإنسان: الآيات ٨- ١٠.