باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ١٣٣ - من وصية له
قال المسيح فويح لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين!!
لا ريب إن أصحاب البصائر و العقول النّيرة يدرسون الماضي و يتأملون في مجرى أحداثه، و يقدرون نتائجه فيقيسون الحاضر على ضوء الماضي فيتعظون و يعتبرون.
ثم أردف في نصائحه لهشام في أنواع البشر، و أيّهم أنفع و أصلح.
قال (عليه السّلام): «يا هشام: لا خير في العيش إلّا لرجلين: لمستمع واع، و عالم ناطق».
العالم عليه أن يبوح بما يختزن في صدره من علوم و معارف ليفيد به سائر الناس، فيكون بذلك كالنهر المتدفق يسقي عن جانبيه الحقول.
و المستمع عليه أن يعقل ما يلقى إليه، فيخزن في ذاكرته كل ما سمعه من العالم، ليكون له زاد خير يفيده عند الحاجة، لأن غذاء العقل أهم بكثير من غذاء الجسد. و فن الاستماع لا يقلّ أهمية عن فنّ القول.
ثم وصف (عليه السّلام) نوع العلماء الذين يؤخذ منهم و يستمع إليهم.
فقال (عليه السّلام): «يا هشام: أوحى اللّه تعالى إلى داود (عليه السّلام) قل لعبادي: لا يجعلوا بيني و بينهم عالما مفتونا بالدنيا فيصدّهم عن ذكري، و عن طريق محبّتي و مناجاتي. أولئك قطّاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبّتي و مناجاتي من قلوبهم».
ثم حذّر (عليه السّلام) من التكبّر فقال:
«يا هشام: إياك و الكبر على أوليائي، و الاستطالة بعلمك فيمقتك اللّه فلا تنفعك بعد مقته دنياك و لا آخرتك، و كن في الدنيا كساكن دار ليست له إنما ينتظر الرحيل».
ثم مدح (عليه السّلام) المتواضع و ذمّ المتكبّر فقال:
«يا هشام: إن الزرع ينبت في السهل و لا ينبت في الصفا [١] فكذلك الحكمة
[١] الصفا: الحجر الصلد.