باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ١٢٠ - من وصية له
و هذا أعظم قدح و ذم للذين لا يعقلون. لأن الإنسان إذا اتهم بعقله فقد دنياه و آخرته.
و في الآية الثالثة: وصف سبحانه منتهى القسوة و جمود الطبع و خمول الذهن لبعض الكفار فهم يستمعون ما يتلى عليهم من الآيات و الأدلة على صحة دعوة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لكنهم صم بكم لا يسمعون و لا يفقهون، و بذلك لا جدوى و لا فائدة في دعوتهم إلى اعتناق هذا الدين؛ لقد بلغوا الحد الأقصى في أمراضهم العقلية و النفسية، و لا يجدي معهم أي نصح أو إرشاد أو علاج.
و سنكتفي بهذا القدر من الآيات التي استدل بها (عليه السّلام) على ذم من لا يعقل من الناس. و الآن إلى فصل آخر من كلامه، قال (عليه السّلام): «يا هشام: لقد ذم اللّه الكثرة فقال: وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [١]. و قال سبحانه أيضا:
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [٢].
استدل (عليه السّلام) بهاتين الآيتين على ذم أكثر الناس لأنهم قد حجبوا عن نفوسهم الحق، و توغلوا في الباطل، و غرقوا في الشهوات، إلا من (رحمه اللّه) منهم. ففي الآية الأولى:
خاطب تعالى نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أراد به غيره، فإنه لو أطاع الجمهور من الناس و سار وفق أهواءهم و ميولهم لأضلوه عن دين اللّه و صرفوه عن الحق. و في الآية الثانية:
دلت على أن أكثر الناس يقولون ما لا يعلمون، و انهم لا يؤمنون باللّه في قلوبهم، بل إنما يجري على ألسنتهم دون أن ينفذ إلى أعماق قلوبهم [٣].
[١] سورة الأنعام، الآية ١١٦.
[٢] سورة لقمان، الآية ٢٥.
[٣] راجع روح المعاني ج ٦ ص ٤٢٣.