باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ٢٤٧ - بإرادة الإنسان تعمر الأوطان
عن حكام بني مروان و بني العباس و الاقتراب من أهل البيت (عليهم السّلام) و بعدئذ يستسلم للموت بقلب مبتهج مسرور.
و ما نراه أن الثواب و العقاب أمر ضروري في أداء التكاليف. فكما يفيد التنبيه و التوبيخ و اللوم في التقليل من المفاسد، كذلك لا مجال للجدال في أثر التقدير و الترغيب في زيادة الرغبة في العمل و النشاط في أداء التكاليف و تحمل المسئولية. و قال أحد المفكرين الاجتماعيين:
ويل لأمة يشوّق فيها الخونة و يهان فيها الخدمة ذوو الشعور بالمسئولية و يبعدون عن المناصب الحساسة في المجتمع. أمة يبلغ فيها مقاصده من يجعل همه الخداع و المراوغة، و يصل الى مراده من لا يتمتع بأية قيمة من قيم الإنسانية.
أمة يكون على من يريد أن يؤدي رسالة الإنسانية فيها أن يبقى محروما مكظوما من كل شيء. إن مثل هذا المجتمع لا يبقى فيه مجال لنمو الأخلاق و ظهور الفضيلة.
و العصر العباسي شاهد على ذلك فالامام الكاظم (عليه السّلام) العالم الفقيه، و التقي الورع، الذي أراد أن يؤدّي رسالة الاسلام الانسانية الحقّة سائرا على خطى جده سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) الذي قال: «ما خرجت أشرا و لا بطرا و إنما خرجت طلبا للإصلاح في أمة جدي» و هكذا فعل الامام الكاظم فعند ما أراد أداء التكاليف و القيام بالرسالة الإنسانية أبعد عن منصب الخلافة و سجن و قيّد بالحديد، و دسّ إليه السمّ حتى خسر بموته الاسلام عالما مجاهدا كبيرا، و مصلحا اجتماعيا عظيما.
و بديهي ان في مثل هذه البيئة التي تشبه البيئة العباسية ستتفشّى الأمراض الى أعماق النفوس، كالغش و الفساد و التزوير و الرياء؛ فالأخلاق السيئة تتصدر المجتمع بدلا من النزاهة و الأخلاق الفاضلة، فقليل جدا من الاشخاص الطاهرين الاتقياء يستطيعون العيش في مثل هذه البيئات الملوّثة، و أقل منهم الذين يستطيعون الاستمرار بطهارتهم و تقواهم، و يعيشون حياتهم الروحية بروح عالية و كريمة بين أناس طغاة أذلاء أنانيين سفهاء في هذه البيئة الملوّثة بالضغائن و الأحقاد استمر الإمام الكاظم (عليه السّلام) مجاهدا لم يداهن و لم يساير و لم يلين، بل قاوم الطغاة و ألف الجماهير، و قام بتكاليفه مع ما لاقى من الاضطهاد و الآلام و العذاب.