باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع) - حسين الحاج حسن - الصفحة ١٢٦ - من وصية له
ذكر (عليه السّلام) في الفقرات الأخيرة من كلامه إلى بعض أحوال العقلاء من أنهم لا تمنعهم كثرة نعم اللّه عليهم من شكره تعالى، كما لا تزيل صبرهم النوائب و الكوارث. ثم قال (عليه السّلام):
«يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعلن هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله، و محا طرائف حكمته بفضول كلامه، و أطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، و من هدم عقله أفسد عليه دينه و دنياه».
ذكر (عليه السّلام) في كلامه هذا أن في الإنسان قوتين متباينتين، و هما:
العقل و الهوى، و لكل واحدة منهما صفات ثلاث تضاد الصفات الأخرى فصفات العقل: التفكر، و الحكمة، و الاعتبار.
و صفات الهوى: طول الأمل، و فضول الكلام، و الانغماس في الشهوات.
فطول الأمل في الدنيا يمنع من التفكر في أمور الآخرة، و يبدد نور الفكر بالظلمة، و يحجبه عن الانطلاق في ميادين الخير.
و فضول الكلام يمحي طرائف الحكمة من النفس.
أمّا الانغماس في الشهوات فإنّه يعمي القلب، و يذهب بنور الايمان، و يطفئ نور الاستبصار و الاعتبار من النفس، فمن سلّط هذه الخصال العاطلة على نفسه، فقد أعان على هدم عقله، و من هدم عقله فقد أفسد دينه و دنياه.
و قال (عليه السّلام): «نصب الحق لطاعة اللّه، و لا نجاة إلا بالطاعة، و الطاعة بالعلم، و العلم بالتعلم، و التعلم بالعقل يعتقد [١]، و لا علم إلا من عالم رباني، و معرفة العلم بالعقل».
و هو يعني (عليه السّلام) ان المعارف جميعها لا تحصل إلّا بالعلم، و العلم لا يحصل إلّا بالتعلم، و التعلّم لا يحصل إلّا بالعقل. فمن عقل علم، و من علم عاش سعيدا مأنوسا في الدنيا، و غانما كريما في الآخرة.
[١] يعتقد أي يشتد و يستحكم.