المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٠ - إتحاد المجتمعات في الماهيّة واختلافها
الفطرة ؛ أمكن أن نفترض وجود الاختلاف النوعي والماهوي بين المجتمعات . ولكنّ هذه النظرية التي أبداها ( دوركايم ) مردودة ؛ لأنّ أول سؤال يفقد جوابه ـ حسب هذه النظرية ـ هو : أنّ المادة الأُولى للروح الجماعية إذا لم تنبع من الفرد ، والجانب الطبيعي والبيولوجي في الإنسان ، فمن أين حصل ؟ هل الروح الجماعية وُجدت من العدم المحض ؟ أم يكفي في توجيهها أن نقول بأنّ المجتمع وُجد منذ وجود الإنسان ؟ أضيف إلى ذلك أنّ دوركايم نفسه يعتقد أنّ الأُمور الاجتماعية ، التي ترتبط بالمجتمع وتخلقها الروح الجماعية ، من قبيل الدين والأخلاق والفن ونحو ذلك ، كانت في المجتمعات ولا تزال ولن تزول , ولها ـ حسب تعبيره ـ دوام زماني وانتشار مكاني . وهذا يدل على أنّ دوركايم أيضاً يقول بوحدة الروح الجماعية من حيث الماهيّة والنوع .
أمّا التعاليم الإسلامية فتقول بوحدة الدين مطلقاً ، من حيث النوعية ، وان اختلاف الشرائع من قبيل الاختلاف في الفروع لا الاختلاف الماهوي ، وحيث إنّ الدين ليس إلاّ النظام التكاملي للفرد والمجتمع ، فهذا يعني أنّ التعاليم الإسلامية تبتني على الوحدة النوعية للمجتمعات ؛ إذ لو كانت متعدّدة النوعية لتكثّرت الأهداف الكمالية وطرق الوصول إليها ، وبالطبع كان ذلك مؤدّياً إلى اختلاف الأديان في الماهيّة ، والقرآن الكريم يصر ويؤكّد على أنّ الدين واحد في جميع المناطق والمجتمعات ، وفي جميع العصور والأزمنة ، فمن وجهة نظر القرآن ليست هناك أديان بل دين واحد منفرد ، والأنبياء كلهم كانوا يدعون إلى دين واحد وطريقة واحدة وهدف واحد : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى