المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٤٢٧
الطائفة التي تتهرّب من مسرح الحياة وتبتعد عنه وتترهبّ . وهذه الرهبانية موجودة في كل مجتمعات الظلم على مرّ التاريخ ، وهي تتخذ صيغتين .
الأُولى : صيغة جادّة تريد أن تفرّ بنفسها لكي لا تتلوّث بأوحال المجتمع ، وهذه الرهبانية هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) [١] .
هذه الرهبانية يشجبها الإسلام ؛ لأنّها تعبّر عن موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض .
الثانية : الصيغة المفتعلة للرهبانية ، فهناك مَن يترهّب ، ويلبس مسوح الرهبان ، ولكنّه ليس راهباً في أعماق نفسه ، وإنّما يريد بذلك أن يخدّر الناس ، ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون ، ويسطو عليهم نفسياً وروحياً ، وهذا هو الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) [٢] .
الطائفة السادسة : والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع ، هم : المستضعفون . الفرعونية ، حينما جزّأت المجتمع إلى طوائف ، استضعفت طائفة معيّنة منهم . هذه الطائفة خصّها فرعون بالاستضعاف والإذلال وهدر الكرامات ؛ لأنّها كانت هي الطائفة التي يتوسّم فيها أن تشكّل إطاراً للتحرّك ضدّه ؛ ولهذا استضعفها بالذات .
( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ
[١] التوبة : ٣٤ .
[٢] الحديد : ٢٧ .