المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٥٨ - أشكال السنّة التاريخية في القرآن
الدين هنا لم يعد مجرد قرار وتشريع من أعلى ، وإنما الدين هنا فطرة الناس ، ولا تبديل لخلق الله . وهذا كلام موضوعي ، لا تشريعي إنشائي ، وكما إنه لا يمكن انتزاع أي جزء من أجزاء الإنسان ، كذلك لا يمكن انتزاع دينه .
الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة على مرّ التاريخ بحيث يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها ؛ إذ تكون عندئذ من المكاسب التي حصل عليها الإنسان من خلال تطوّراته المدنية والحضارية على مرّ التاريخ .
والقرآن الكريم يريد أن يقول : إنّ الدين ليس مقولة من هذه المقولات يمكن أخذها أو ردّها . الدين خلق الله ، فطرةُ الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ( ولا ) هنا نافية وليست ناهية ، أي إنّ الدين لا ينفك عن خلق الله . والدين يعتبر سنّة لهذا الإنسان ما دام الإنسان إنساناً .
هذه سنّة ، ولكنّها ليست سنّة صارمة على مستوى الغليان ، بل إنّها تقبل التحدّي على الشوط القصير . وكما كان بالإمكان تحدّي سنّة النكاح والتزاوج الطبيعي عن طريق الشذوذ الجنسي ، ولكن على شوط قصير ، كذلك يمكن تحدّي هذه السنّة على شوط قصير عن طريق الإلحاد وغمض العين عن الحقيقة الكبرى . لكنّ هذا التحدّي لا يكون إلاّ على شوط قصير ؛ لأنّ العقاب سوف ينزل بالملحدين . والعقاب هنا ليس عقاب أُخروي ، ولا عقاب دنيوي على طريقة العقاب الذي ينزل على مَن يخالف القانون ، وإنّما العقاب ينزل هنا من سنن التاريخ نفسها ، هذه السنن هي التي تفرض العقاب على كلّ أُمّة تريد أن تبدّل خلق الله سبحانه وتعالى ، ولا تبديلَ لخلق الله .