المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢٠٦ - تطوّر التاريخ وتكامله
وما هو السر والعامل الأساس لتطور حياة الإنسان وانتقالها من مرحلة إلى أُخرى ؟ وبعبارة أُخرى ما هو الأمر المختص بالإنسان الذي يسير بحياته الاجتماعية قُدماً إلى الأمام ؟ وكيف يتحقق هذا الانتقال والتقدم وما هو النظام الذي يسير طبقاً له ، وبتعبير آخر ما هي ميكانيكيته ؟
وهنا سؤال آخر يُثار من قبل فلاسفة التاريخ ، وهو أنّ هذا التقدّم والتكامل المدّعى هل هو أمر واقعي أم لا ؟ فالتغييرات الحاصلة في الحياة الاجتماعية للبشر أمر قطعي . إنّما السؤال في أنّها هل هي في سبيل التقدم والتكامل واقعاً أم لا ؟ وما هو مناط التكامل ومقياسه ؟ وقد أظهر بعضهم الشك في ذلك ، وهو مذكور في الكتب الموضوعة لهذا البحث [١] . وذهب بعضهم إلى أنّ مسير التاريخ دائري ، بمعنى أنّه يبدأ من نقطة ويعود في مسيره المرحلي إليها مرة أُخرى ، وأنّ شعار التاريخ هو ( عود على بدء ) . فمثلاً يؤسس النظام العشائري بواسطة جماعة من أهل البادية ذوي الشجاعة والعزم القوي ، ولكن هذه الحكومة تنجرّ بطبيعتها إلى الارستقراطية ، ويؤدّي حصر القدرة والحكومة في طبقة الأشراف إلى ثورة جماعية ، وينهي الأمر إلى الحكومة الديمقراطية ، ثم تسود الفوضى في المجتمع والإفراط في الحرية ، وهذا يستوجب عودة الديكتاتورية والاستبداد القاسي بواسطة الروح العشائرية .
ولكنّنا نترك هذا البحث ، ونقبل كأصل موضوعي أنّ حركة التاريخ وسيره على وجه العموم نحو التقدم والتكامل . والجدير بالذكر أنّ كل أولئك القائلين بأنّ التاريخ يتوجّه نحو التقدم لا يعتقدون بأنّ مستقبل
[١] راجع كتاب ( ما هو التاريخ ؟ ) تأليف : ام اش . كار . ودروس في التاريخ تأليف ويل دورانت ، وكتاب لذات الفلسفة .