المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٧٥ - العِلّيّة في التاريخ
بناءاً على تقدّم المجتمع على الفرد ، وأنّ وجدان الفرد وشعوره وإحساسه كلها نتيجة الأوضاع الاجتماعية والتاريخية ، وخصوصاً الأوضاع الاقتصادية هل يبقى بعد ذلك مجال للحرية أم لا ؟
هذا مضافاً إلى أنّا نتساءل : ما هو معنى قولهم : إنّ الحرية هي المعرفة بالضرورة ؟ فالإنسان الواقع في مسير السيل الجارف ، وهو يعلم قطعاً أنّه بعد لحظات سيجرّه إلى أعماق البحر ، أو الإنسان المقذوف من قمّة جبل عالٍ ، وهو يعلم أنّه بمقتضى قانون الثقل سيسقط بعد لحظات ويتهشّم ، فهل يصح أن يقال : إنّهما مختاران في الوقوع في البحر ، والسقوط من الجبل ؟ فالأوضاع الاجتماعية المادية هي حصار الإنسان ، وهي التي توجّه الإنسان ، تصنع وجدانه وشخصيته وإرادته وانتخابه ، بناءاً على نظرية المادية الجبرية التاريخية .
والإنسان أمام المقتضيات الاجتماعية ليس إلاّ إناءً خالياً ومادة أوّليّة ، فهو محكوم بتلك الأوضاع ، ولا يتحكّم فيها . والأوضاع السابقة تعيّن مسير الإنسان المتأخّر عنها ، ولكن الإنسان لا يعين مسيرة التاريخ في المستقبل . وعليه فلا معنى للحرية ولا مفهوم .
والصحيح أنّ حرية الإنسان لا تتصوّر إلاّ مع نظرية الفطرة بأن يقال : إنّ الإنسان في مسير الحركة الجوهرية العامة للعالم يولد مع بعد زائد ، وهو أساس شخصيته ، ثم يتكامل وينمو وفقاً لمقتضيات البيئة والمجتمع ، وهذا البعد الوجودي هو الذي يمنح الإنسان شخصيته الإنسانية ، ويحكّمه على التاريخ ، فيكون هو الذي يعين مسيرة التاريخ . وقد مرّ البحث عن ذلك في مباحث المجتمع تحت عنوان ( الجبر والاختيار ) . وسيأتي توضيح ذلك تحت عنوان ( أبعاد التاريخ ) حيث نتكلّم حول دور الأبطال .