المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٣٥ - ثلاث حقائق قرآنية عن سنن التاريخ
ولأنّ هذه السنن والقوانين هي إرادة الله ، وهي ممثّلة لحكمة الله وتدبيره في الكون .
قد يَتوهم البعضُ أنّ الطابع الغيبي الذي يُلبسه القرآن الكريم للتاريخ ، وللسنَنِ التاريخية ، يُبعد القرآن عن التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ ، ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ ، الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد عدد كبير من المفكّرين المسيحيين واللاهوتيين من أمثال أغسطين حيث فسّروا التاريخ تفسيراً إلهياً .
هذا التوهّم ناشئ في الحقيقة عن خلط بين طريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب ، وفي إسباغ الطابع الغيبي على السنّة التاريخية ، وبين ما يسمّى بالتفسير الإلهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت .
هناك فرق كبير بين هذين الاتجاهين ، وهاتين النزعتين ، هو أنّ الاتجاه اللاهوتي للتفسير الإلهي للتاريخ يتناول الحادثة نفسها ، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى قاطعاً صلتها وروابطها مع بقية الحوادث . فهو يطرح الصلة مع الله بديلاً عن صلة الحادثة مع بقيّة الحوادث ، وبديلاً عن العلاقات والارتباطات التي تزخر بها الساحة التاريخية والتي تمثّل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة .
أمّا القرآن الكريم ، فهو لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات ، ولا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها بالسماء ، ولا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن العلاقات والأسباب والمسبّبات القائمة على هذه الساحة التاريخية ، بل إنّه يربط السنّة التاريخية بالله ، ويربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله .