المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٢٥ - الطريقة القرآنية في عرض سنن التاريخ
هذا بينما نجد حديث القرآن عن العقاب الأخروي ينصبّ على العمل مباشرة .
( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى ) [١] .
ويقول تعالى :
( وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) [٢] .
هذه الآية الكريمة أيضاً تؤكّد المفهوم العام ويقول فيها تعالى : ( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) يقول فيها لنبيّه : هذه سنّة سلكناها مع الأنبياء من قبلك ، وسوف تستمر ، ولن تتغيّر . أهل مكّة يحاولون أن يستفزوك لتخرج من مكّة ؛ لأنّهم عجزوا عن إمكانية القضاء عليك وعلى كلمتك وعلى دعوتك .
في هذه الآية إشارة إلى سنّة تاريخية ، سنشرحها فيما بعد ، هي أنّ عملية المعارضة إذا وصلت إلى مستوى إخراج النبي من البلد ، فلا يلبثون بعده إلاّ قليلاً . وليس المقصود من ذلك أنّ عذاب الله سينزل عليهم من السماء ، وإنّما المقصود في أكبر الظن أنّ المعارضين لا يمكثون بعد خروج النبي كجماعة صامدة ذات موقع اجتماعي ، بل سينهار هذا الموقع . وهذا ما حدث بالفعل في مكّة . فحين أخرج رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من مكّة لم تمكث المعارضة بعده إلاّ قليلاً ؛ إذ فقدت المعارضة في مكّة موقعها وتحوّلت هذه المدينة إلى جزء من دار
[١] فاطر ١٨ .
[٢] الإسراء ٧٦ و ٧٧ .