المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢٤ - هل المجتمع أصيل في وجوده أم لا ؟
وقد بحثنا عن هذه الآية بإسهاب في مباحث التوحيد ( فصل المعرفة إلى أساس التوحيد ) فلا نكرّر ، وإنّما نشير هنا إجمالاً إلى أنّ مفاد الآية الكريمة : أنّ الناس ليسوا سواسية من حيث الإمكانات والاستعداد الذاتي ، إذ لو كانوا كذلك وكان كل أحد واجداً لما يملكه غيره وفاقداً لما يفقده غيره ؛ لم تكن بينهم بالطبع حاجة البعض إلى البعض ، فلم يتحقّق الترابط والخدمات المتقابلة ، فأفراد الإنسان مختلفون من حيث القابليات والإمكانيات الجسمية والنفسية والعقلية والعاطفية ، وقد فضّل الله بعضهم على بعض في بعض المواهب بدرجات ، وربّما يفضّل البعض الآخر على هذا البعض الفاضل في مواهب أُخرى ، وبذلك أصبح كل فرد محتاجاً إلى الآخرين ومنساقاً إلى عقد الترابط معهم ، وعلى هذا الأساس بُنيت الحياة الاجتماعية المترابطة . فهذه الآية تدل أيضاً على أنّ التمدّن البشري أمر فطري طبيعي ، وليس متمحّضاً في الاختيار والمعاهدة ولا في الاضطرار والإلجاء .
هل المجتمع أصيل في وجوده أم لا ؟
المجتمع ليس إلاّ مجموعة من الأفراد ، فلولا الأفراد لم يتحقق المجتمع . ولابد من التحقيق عن كيفية هذا التركيب والعلاقة بين الفرد والمجتمع للإجابة عن السؤال . وبهذا الصدد يمكن إبراز عدّة نظريات :
أ ـ إنّ تركيب المجتمع من الأفراد تركيب اعتباري وليس واقعياً .
فالمركّب الواقعي إنّما يتحقق إذا كانت هناك مجموعة من الأُمور تؤثّر كل منها في الآخر وتتأثّر كل منها من الآخر ، ويتولّد من هذا التأثير والتأثّر والتفاعل ، حادث جديد له ميزاته وخصائصه ، كما نجد ذلك في التركيبات