المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢٣ - هل الإنسان اجتماعي بالطبع ؟
والقبيلة وغيره من الخصائص والمميّزات الطبيعية : كالاختلاف في اللون والشكل والحجم ، تعتبر أساساً في الهوية الشخصية للفرد ، إذ لولا الاختلاف في هذه الأُمور وفي الانتساب ؛ لكان أفراد الإنسان كالمنتوجات المتحدة الشكل من مصنع واحد ، حيث لا يمكن تمييزها بعضاً عن بعض . وإذا كان كذلك ، لم يمكن تشكيل التمدّن البشري ، الذي يتوقّف على ارتباط الأفراد وتبادل الآراء والأفكار والمعاملات . إذن فالانتساب إلى الشعوب والقبائل له حكمة وغاية طبيعية ، وهو التمييز ومعرفة الأشخاص ، فلا ينبغي أن يجعل ذلك مبرّراً للتفاخر والاستعلاء ، فإنّ أساس الكرامة والشرف هو التقوى .
قال الله تعالى في سورة الفرقان / ٥٤ : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ) ، هذه الآية الكريمة تصرّح أيضاً بأنّ الروابط النَسبيّة والسببيّة بين البشر ، التي هي أساس الارتباط والتعارف ، من الأُمور التي جُعلت في أصل خلقة البشر لغاية طبيعية عامة .
وقال تعالى في سورة الزخرف / ٣٢ : ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) .
الآية الكريمة وردت ردّاً على استبعاد المشركين إعطاء وسام النبوّة لمحمد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) . فقال تعالى : ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ) ، استفهام إنكاري بالنسبة إلى تقسيم المواهب الطبيعية بين الخلائق ، ويجيب تعالى بأنّ وسائل العيش من الاستعداد الذاتي ، والأسباب الطبيعية مقسومة على الخلق من قِبله تعالى ليسخر بعضهم بعضاً في رفع حوائجه ، وبذلك يصبح الجميع في خدمة الجميع ، ورحمة ربّك أي موهبة النبوّة خير ممّا يجمعون .