المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٩٤ - المقاييس
الثلاثة عشر الأُولى من بعثة الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قلّما يكون فيها الحديث عن شأن غير التذكير بالمبدأ والمعاد [١] .
إنّ الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بدأ دعوته بجملة ( قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا ) ، أي بدأ بحركة عقائدية وتطهير فكري . صحيح أنّ أبعاد التوحيد وسيعة جدّاً ، وأنّ جميع التعاليم الإنسانية مرجعها التوحيد بالتحليل ، والتوحيد ينتهي إلى تلك التعاليم بالتركيب [٢] . ولكن من الواضح أن المراد بهذه الجملة في بدو الدعوة لا يزيد على تمايل فكري وعملي ، وخروج من العقائد والعبادات المشركة إلى التوحيد الفكري ، والتوحيد العقائدي . ولو فرضنا أن يكون المراد بها هذا المعنى الوسيع فإنّ الناس لم يلتفتوا إلى ذلك آنذاك .
هذه المعرفة الجذرية التي أثّرت في أعماق فطرة البشر ، أوجدت لديهم نوعاً من الحميّة والعصبية في الدفاع عن العقيدة ، والنشاط وبذل الجهد في توسيع الرقعة ، حتى لم يأبوا عن بذل النفس والمال والمقام والأولاد في سبيله . فالأنبياء كانوا يبتدئون بما يدعى هذا اليوم بالبناء العلوي ،
[١] ولكنّ بعض المسلمين ، ممّن يدّعون بالمثقفين المعاصرين ، أنكروا أساساً فيما كتبوه من التفسير على أكثر السور القرآنية أن يكون القرآن قد تعرّض لذكر المعاد ، حتّى ولو في آية واحدة . فكل ما ورد في القرآن من ذكر الدنيا يراد بها النظام الداني في الحياة ، أي نظام التمييز والاستثمار . وكل ما ورد فيه من ذكر الآخرة يراد بها النظام الأعلى ، أي النظام الذي لا يكون فيه تمييز ولا تفاوت ولا استثمار ، وتكون الملكية الخاصة قد قلعت جذورها تماماً . وإذا كان هذا معنى الآخرة فالقرآن إذن قد أبطل الدّين منذ ألف سنة قبل تشكيل المدارس المادية .
[٢] راجع تفسير الميزان في ذيل آخر آية من سورة آل عمران .