العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ١٠٠ - الفصل الثالث في ذكر بعض فوائد هذه السورة على سبيل الاختصار و الإيجاز
ليتّعظ العاقل فيرتدع عمّا يورثه ذمّا و يتسارع إلى ما يحدث له حمدا كالمرتضى و ذويه (رضوان اللّه عليهم أجمعين).
فإن قيل: كيف أطلق [اللّه] تعالى قوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ؟ و هذا النوع لا بدّ له من قبيل ما يوازيه؟
قلنا: أراد: يدخل من يشاء في رحمته فضلا و يدخل من يشاء في عقوبته عدلا فحذف [الثاني] لدلالة ما بعده عليه، و العرب تحبّ الإيجاز و الاختصار لا سيّما في موضع يدلّ الباقي على المحذوف، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
فإن/ ١١٦/ قيل: كيف انتصب قوله: وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ و لا ناصب له؟
قلنا: في نصبها خمسة أوجه: أحدها: إرادة اللام فيها، فحذفت اكتفاء بإعادتها في لَهُمْ و قد قيل: إنّ في قراءة عبد اللّه: وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ؟
و الثاني: إنّه لمّا لم يكن لهم حظّ في الوصف و إنّما هم في الحقيقة فوقع بهم العذاب و هم مفعولون نصبوا بهذا التأويل؟
و الثالث: قال الزجاج: نصب الظَّالِمِينَ لأنّ قبله [كان] منصوبا، و المعنى:
«يدخل من يشاء في رحمته و يعذّب الظالمين» و يكون [قوله]: أَعَدَّ لَهُمْ تفسيرا لهذا المضمر.
الرابع: قيل: إنّ قوله: وَ الظَّالِمِينَ متّصل بقوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ و لذلك انتصب على تأويل يدخل من يشاء في رحمته و يدخل الظالمين عذابا أعدّه لهم.
الخامس: قال الجرجاني: إنّه مبتدأ منقطع ممّا قبله، و إنّما انتصابه بقوله: أَعَدَّ لَهُمْ لأنّهم في موضع مفعول.
و احتجّ هذا القائل بقوله [تعالى] في [سورة] حم عسق: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ [٩/ الشورى: ٤٢] فقال: لو كان انتصابه بانتظامه بما قبله و عمل ما قبله فيه لوجب أن يكون هاهنا نصبا، مثله [في قوله تعالى]: هَلْ أَتى عَلَى