العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٥٣ - الفصل الأوّل في ذكر النزول
و لذلك روي في بعض الأحاديث: «غاية الجود بذل الموجود و الرضا عن المعبود» و لذلك قال عزّ و جلّ: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [٩/ الحشر: ٥٩].
و الثالث: أنّ الهاء راجعة إلى الإطعام المقتصّ من قوله: وَ يُطْعِمُونَ أي و يطعمون الطعام على حبّ الإطعام، أي يفعلون و يحبّون ذلك الفعل منهم و يختارونه على ضدّه، و هذا غاية الكرم و الجود و ذلك لأنّه ربما يطعم المرء و هو غير مختار و يتمنّى غير ذلك منه فإذا أطعم و أحبّ ذلك الفعل فكأنّه أحبّ دوام ذلك منه و ملازمته و لا يتمنّى من نفسه مفارقته، و نظيره من الكلام قول الشاعر:
إذا نهي السفيه جرى إليه* * * و خالف و السفيه إلى خلاف
أراد/ ٦٦/ جرى إلى السفه المقتصّ من قوله «السفيه» و يرجع بالكناية إلى المضمر المقتصّ.
و أمّا الجواب عن قولهم: كيف يليق بالمرتضى و ذويه أن يقولوا للسائلين:
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ و إنّ ذلك يشير إلى المنّ و فيه شمّة من الرياء و السمعة و قد نهى اللّه سبحانه عنهما بقوله: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى [٢٦٤/ البقرة: ٢] و قال: وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [١١٠/ الكهف: ١٨].
فهو إنّا نقول لهم: إنّ المرتضى (رضوان اللّه عليه) و ذويه لم ينطقوا بذلك و لا قالوا بألسنتهم، و لكنّهم قالوا ذلك بقلوبهم مضمرين، و أسرّوه بضمائرهم مخلصين [١] فأخبر اللّه عنهم بذلك و مدحهم بالإخلاص و أثنى عليهم في الناس من بين المطيع و العاصي، ليبقى ذلك لهم أبدا و لا ينقطع ذكره به في الدهر المديد، و لو
[١] و هكذا رواه غير واحد من المفسرين منهم مجاهد كما في الحديث ١٠٤ في أوائل الجزء الثاني من مناقب محمّد بن سليمان الكوفي- من أعلام القرن الثالث-: ج ١ ص ١٨٥، ط ١ قال:
قال غير واحد عن عبد اللّه بن محمّد الكشوري قال: أخبرنا محمّد بن يوسف الحذاقي قال:
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن سالم الأفطس عن مجاهد في قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً قال: لم يقله القوم الّذين أطعموا، و لكن علمه اللّه [ذلك من نياتهم] فأثنى به عليهم.