من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٩ - وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
أَدْعُو النَّاسَ إِلَى دِينِ رَبِّي وَأَمَّا النَّذِيرُ فَإِنِّي أُنْذِرُ بِالنَّارِ مَنْ عَصَانِي وَأَمَّا البَشِيرُ فَإِنِّي أُبَشِّرُ بِالجَنَّةِ مَنْ أَطَاعَنِي)
[١]. والرسول كما الشمس في المنظومة، يمثل مركز الإشعاع المعنوي عبر الأجيال. أوليس ينبعث منه نور الوحي إلى الحياة؟!.
وَسِرَاجاً مُنِيراً كما ينبعث إلى كل أفق، كذلك تشمل معارف القرآن، وأحكام الشرع، وتعاليم الرسول كل نواحي الحياة، ومن هنا نستوحي من كلمتي سِرَاجاً مُنِيراً المناهج المفصلة في رسالة النبي وسيرته.
فالرسول ليس يدعو إلى الله، ويبشر وينذر فحسب، إنما يضع أمامنا المناهج التفصيلية التي تقربنا إلى الله، وتنتهي بنا إلى الجنة، وتبعدنا عن النار.
والسؤال: لماذا لم يكتف السياق بكلمة سراج، بل قال وَسِرَاجاً مُنِيراً؟.
الجواب: إنما قال ذلك ليؤكد صفة الإشعاع المستمر في شخصية الرسول، فقد يكون السراج متقدا، وقد ينطفئ، بينما النبي يبقى منيرا يضيء أبدا حتى بعد وفاته، لأن إشعاعه إنما هو برسالته وسيرته وهما باقيتان عبر الدهور.
[٤٧] و تجاه هذه الرسالة التي يحملها الرسول ومن يتبعه إلى الناس هناك موقفان
الأول: الإيمان والتسليم والذي ينتهي بأصحابه إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، ولابد للرسالي أن يبشر من حوله بهذه النتيجة وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً.
[٤٨] الثاني: العصيان بالكفر والنفاق، وتجاه هؤلاء يجب على الرسول الاستقامة أمام ضغوطهم، بل يجب عليه أن لا يغضب عليهم، أو يحمل في نفسه الحقد ضدهم، ذلك أنه ينبغي للرسالي أن يكون قلبه قطعة من الرحمة والنور حتى مع أعدائه.
وهذا نبي الرحمة صلى الله عليه واله وقد طرده الكفار والمشركون من بكة، وبعدها من الطائف يقف وقد أدمت الأحجار قدميه، فيجول ببصره إلى السماء ثم يقول
(اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُون)
[٢]، ثم لما عاد إلى مكة منتصرا لم يفكر في الانتقام، بل قال كلمته المشهورة
(اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ)
[٣]. وهذه هي الاستقامة الحقيقية، أن يستقيم الإنسان حتى في عاطفته.
وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ أما من أين يستمد الرسالي روح
[١] بحارالأنوار: ج ٩، ص ٢٩٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٢٩٨.
[٣] الكافي: ج ٣، ص ٥١٢.