من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - واتبع ما يوحى إليك من ربك
من بنات أفكار الناس أنفسهم ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ولو عدتم إلى قلوبكم وفطرتكم لرفضتم ذلك، وقلب الإنسان لا يُخدع بمثل أن الدعي ولد له، ولو قال ذلك ألف مرة بلسانه، والبنوة قضية حقيقية يترتب عليها جملة من الآثار القانونية. ولا يمكن أن تُخرق القوانين الفطرية ببعض القوانين المفترضة، لأنها تفقد قدرة التنفيذ باعتبارها لا توافق الفطرة في شقيها القلب والخارج.
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَ والحق هو القانون الفطري، والحقيقة الخارجية، وهذه صفة القرآن فهو كتاب الله الذي ينطبق على كتاب الطبيعة، فكما تذكرنا الطبيعة بآيات القرآن وتهدينا لها، فإن الله يذكر عبر آياته بسننها وقوانينها.
وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ السليم، والصراط المستقيم، و (ال) التعريف تحدد هذا السبيل، إنه ليس أي سبيل كان، بل هو السبيل القويم.
[٥] ثم يبين القرآن حكم اللقيط، وهو يخالف ما عليه الجاهلية من نسب اللقيط إلى من يربيه ويتبناه حيث يقول ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ الحقيقيين الذين انحدروا من صلبهم هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أصح لانسجامه مع شريعة الله، وفطرة البشر، بينما كان الجاهليون يخالفون هذا الأمر وينسبون الرجل إلى من تبناه، حتى لو كان أبوه شخصا آخر، وكان من عادتهم إذا افتقر أحدهم أن يدفع أولاده إلى من يعولهم فيصير الآخر والدهم في عرف الناس، ولكن هل يغير هذا من الواقع الفطري شيئا؟ كلا .. فأبو طالب حينما أعطى ولده عليا عليه السلام للنبي صلى الله عله واله بسبب فقره، لم يصبح علي ولد الرسول، وكذلك الأمر بالنسبة لزيد بن حارثة، الذي نسبه الناس للنبي، فأنزل الله آية (٣٧) في أمره.
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ وتعرفوهم فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ إخوة سببيون وليسوا نسبيين، فهم لا يرثون منكم، وَمَوَالِيكُمْ والمولى هو الشخص الذي ينتمي إلى عشيرة أو أسرة، لأنه لا عشيرة له، فيسمى مولى لهم، ويختلف عن العبد بأنه صاحب ولاية، ولذلك تسميات أخرى عند العرب كالدخيل واللحيق. إذن فعدم معرفة والده، لا يغير من الواقع شيئا.
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أي ذنب فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ أيام الجاهلية، لأن الإسلام يجب ما قبله، أو إذا أخطأتم الآن إذا لم يكن عن عمد، وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ في نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الحقيقيين، فذلك محاسبون عليه، وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يغفر للعبد أخطاءه، أما الانحرافات المتعمدة، والتي يصر عليها فإنها لا تغفر.