من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٤ - واتبع ما يوحى إليك من ربك
تعزم وتقرر، ولكن ليس وفق أهواء الآخرين ولا حتى أهوائها، إنما وفق هدى الله ووحيه.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً وكفى بهذا باعثا للإنسان نحو تقوى الله وخشيته.
ولعل اسم الخبير يوحي بمعرفة حقيقة العمل صالح أو فاسد.
[٣] وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ لكي تتمكن من الاستقامة، وتحدي ضغوط الآخرين.
وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا وقد تكررت هذه التذكرة بالتوكل عشرات المرات في القرآن، بأن يذكر الرسول بالتوكل وعدم اتباع أهواء الآخرين. فليست مشكلة القائد أن يتبع هواه، بمقدار ما هي اتباع أهواء المحيطين به، لأنه يجسد الروح الجماعية في من يقودهم، فهو عادة ما يتجرد عن هواه، ولكنه يخضع لأهواء تلك الروح التي يجسدها بقيادته، ولذلك نجد التعابير القرآنية تؤكد على هذا الخطر وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب: ٤٨]، وقال أيضا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة: ٤٩].
[٤] ثم يظهر السياق رفض الإسلام للازدواجية في الشخصية إذ يقول مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ فإما أن يتلقى توجيه المنافقين والكفار، أو يتبع رسالة الله، أما الالتقاط فهو مرفوض في منطق الإسلام، فكما أن قلب الإنسان واحد وعواطفه واحدة، كذلك يجب أن تكون حياته منسجمة مع بعضها، وبتعبير آخر يجب أن يرعى البشر الفطرة التي خلقها الله فيه، وهو يضع القوانين لنفسه. ويربط القرآن بين هذه الحقيقة وبين قوله تعالى حاكيا عن الأسرة وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ كتجلٍ لها.
فكما لم يجعل الله لرجل قلبين في جوفه، فلا يستطيع أن يحب ويكره رجلا بصورة شاملة في آن واحد، ولا أن يفكر في أمور متعددة في وقت واحد، كذلك لا يمكن أن يجعل زوجته وأمه امرأة واحدة، فيجب أن يكون الأمر حسب الواقع الفطري الطبيعي لا حسب ما يقرر الشخص نفسه.
والظهار الذي تشير إليه الآية هو قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر أختي. وهذه من العادات الجاهلية، كما توجد عادة أخرى وهي جعل الآخرين أبناء لمن يتبناهم، لكن القرآن لا يقرها بل يرفضها.
وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ فالابن لا يصير دعيا لوالده، والدعي لا يصير ولدا لمن يدعيه، وتبين الآية أن هذه العادة ليست مما يتفق مع تعاليم الله، ولا فطرة البشر، إنما هي