من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٦ - الإحسان تكامل وهداية
وهنا يقول ربنا سبحانه أَلِيمٍ لأن الإنسان يستكبر، ويعرض عن الآيات من أجل التلذذ بشهوات الدنيا، وجزاء ذلك الإيلام في الآخرة، ويدل انسجام التعابير في موارد العذاب على أن الجزاء من جنس العمل، وبتعبير أبلغ الأعمال هي التي تتجسد جزاء وفاقا في الآخرة، بل في الدنيا أحيانا كثيرة.
[٨] وفي مقابل هذا الجزاء يأتي الحديث عن جزاء المؤمنين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ جزاء لهم على ما أنفقوا من نعيم الدنيا في سبيل الله.
[٩] ويختلف هذا النعيم عن الدنيا بأن الجنة خالدة خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً ويدل على صدق وعد الله عزته وحكمته، ذلك أن الذي يخلف الوعد إما يكون قاصرا عن تحقيقه والوفاء به، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وَهُوَ الْعَزِيزُ القوي القادر.
وإما أن يكون عن جهل كأن يعد الإنسان أخاه بشيء ما ثم يكتشف خطأه أنه غير قادر على الوفاء فلا يفي بوعده، وحاشا لله وهو .. الْحَكِيمُ الذي يحيط علمه بكل شيء.
[١٠] ومن آيات عزة الله وحكمته الظاهرة الإبداع والمتانة المتجليان في خلقه.
خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وهذا مما يزيدنا ثقة بوعد الله سبحانه، فهذه السماء الواسعة خلقها ورفعها كالسقف، من دون عمد نراها، وفي الحديث
(فَثَمَّ عَمَدٌ وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهَا)
[١]. وقال البعض: إن المقصود من العمد هو الجاذبية التي تثبت السماء وما فيها بقدرة الله وحكمته.
وحينما ننظر إلى الأرض، نلمس تجليات صفات الله وأسمائه الحسنى في بديع خلقه فيها.
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ وهي الجبال، أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ لكي تحافظ على توازن الأرض، وتمنع عنها الحركات، وسميت بالرواسي تشبيها لها بالمرساة، التي تثبت السفينة في البحر. فالجبال التي تتصل ببعضها من تحت الأرض يجعلها شبيهة بدرع صخري متين، تمنع عن الأرض الهزات الهائلة التي كانت لولا الجبال تحول الأرض إلى أرجوحة لا تتوقف، وذلك بفعل الغازات الكثيرة الموجودة في وسط الكرة الترابية، والتي منها تأتي الزلازل وانفجار البراكين.
من جهة أخرى كانت جاذبية القمر تجعل الأرض لولا الجبال كسطح البحار خاضعة
[١] بحار الأنوار: ج ٥٧، ص ٧٩.