من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٧ - ذلك تقدير العزيز العليم
البساتين إلى نفسه.
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ والعنب- كما التمر- يحفظ لغير موسمه في صورة زبيب، وهو ذو فوائد غذائية كبيرة، ولعل عدم ذكر الكرم لقلة فائدته بالقياس إلى النخيل، والتقارن بين النخيل ذات الارتفاع الكبير، والكرم الذي هو زرع يثير الإعجاب. كيف أن الله يصنع من هذه ثمرا ومن ذاك عنبا، وهما متشابهان بالرغم من اختلاف أصلهما، فهذه شجرة باسقة وذاك زرع مفروش على الأرض أو على ما يعرشون.
وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ أو لا ينظرون إلى شبكة القنوات المنتظمة تحت الأرض، والأحواض التي تجتمع إليها مياه القنوات؟! ثم اختلاف المستويات على الأرض، مما يساعد على تفجير العيون من الأرض لترويها، ويبعث منظرها الخلاب إلى معرفة الرب وشكره.
[٣٥] إن التناسق بين حاجات البشر وصنع الله في الطبيعة دليل دقة التقدير، وحسن التدبير، فالبشر بحاجة إلى رزق يأتيه رغدا، وإلى هامش من الحرية يستفيد منها في تنويع مصادر غذائية وإظهار إبداعه وفنه، كما يحتاج إلى تنمية وعيه ومعرفته، والسكينة النفسية .. وكل تلك الحاجات متكاملة في الجنات و العيون.
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ فيقضوا حاجاتهم المادية إلى الطعام. وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ من تنويع في الطعام، والاستفادة من الماء والأشجار في بناء البيوت وأدوات المنزل أَفَلا يَشْكُرُونَ فتطمئن نفوسهم بمعرفة الرب وحبه والثقة به، مما يعتبر غذاءً أساسيا لروحهم وعقولهم وإرادتهم، وهي أعظم من أجسامهم.
[٣٦] ومن الطعام والحاجات الأقرب إلى حياة البشر ينساب السياق إلى أبرز وجوه الحاجة في الخليقة، فالناس والحيوانات وسائر الأشياء خلقت أزواجا بحيث يحتاج بعضها إلى بعض، لنعرف أنها مخلوقة مدبر أمرها، ونعلم- بالتالي- أن خالقها مقدس عن الحاجة، فهو الرب السبحان الذي خلق الأزواج كلها لتكون آية تعاليه عن العجز.
سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وهكذا كلما في الطبيعة من عناصر ونقاط ضعف شاهدة على حاجتها إلى خالق مدبر، أوليس الضعيف لا يخلق نفسه، ولا يدبر أمره؟! ولو خلق نفسه لأكملها، ولو دبرها لأغناها، ولكن الله- سبحانه- أركز الخلائق في الضعف، وأحوجها إلى بعضها، لتشهد بأن خالقها غني مقتدر، ولو افترضنا في خالقها ضعفا لرجع الخالق مخلوقا، ولصدق فيه ما صدق في سائر المخلوقات من الحاجة إلى مدبر أعلى منه.