من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٢ - فريق في الجنة وفريق في السعير
أجاب أحدهم على ذلك وقال: إن اختلاف آجال الناس مرتبط بحكمة وجودهم في الدنيا، و هو تهيئة الإنسان للجنة، وكأن الدنيا مدرسة، يدخلها الناس تمهيدا لدخول الجنة.
فبعض الناس ينجحون من أول امتحان، وبعضهم لا ينجحون في الامتحان الأول فيدخلون الامتحان الثاني، وهكذا فإن اختلاف الناس في آجالهم هو بسبب مدى استعدادهم، وتقبلهم ونجاحهم وهذه النظرية جميلة إلا إنها لا توافق القرآن الكريم، لأن الدنيا كما هي مدرسة تهيؤ المؤمنين لدخول الجنة، فهي في نفس الوقت مهوى يسقط الكفار منه إلى النار.
وفي بصائر القرآن: الدنيا دار ابتلاء فهي فقط قاعدة امتحان وليست مدرسة.
ولعل الآية هذه تشير إلى أن اختلاف الآجال يرتبط بهذه الكلمة (الابتلاء) فالدنيا فرصة للتذكرة، وكل شخص يعمر بقدر التذكر (حسب ظروفه، وبنية شخصيته) فإذا انتهت الفرصة فإن الحكمة الرئيسية من بقائه تنتهي، بلى؛ هناك حكم أخرى: كاستدراج الكفار ليزدادوا كفرا، وإطالة عمر المؤمنين ليزدادوا ثوابا، وكأن يكون وجود شخص مفيدا لابتلاء الآخرين، والله العالم.
واختلفت الروايات في تحديد العمر في قوله أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ فقالت بعض الروايات أنها
(لِابْنِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَة)
، وفي رواية أخرى أنها
(أَرْبَعُونَ سَنَةً)
، وفي رواية ثالثة أنها
(سِتُّونَ سَنَةً)
[١]. ولعل ما قلناه آنفا في اختلاف الناس في التذكر يجمع بين النصوص.
[٣٨] إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إن الله عالم غيبك، ويعلم سرك وما يكن صدرك، كما هو عالم بغيب السماوات والأرض، فهو ليس بحاجة إلى امتحانك، ولكن إنما هي فرصة يعطيها الله لكي تجرب نفسك، وتمتحن إرادتك.
[٣٩] هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ أي جعل بعضكم يخلف بعضا، ولعل هذه الآية تدل على أن الأمم تنتهي، وأن لها آجالا كما للناس آجال محددة.
وأما مقياس آجال الأمم والمجتمعات فهو كما قال ربنا سبحانه فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ نتيجة الكفر على صاحبها، وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً يبغضهم الله ويمقتهم، وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَاراً خسارة في الدنيا والآخرة.
[٤٠] يظل الشرك بالله الحجاب الكبير الذي يفصلنا عن ربنا، ويمنع عنا خيرات عبادة الله وحده، ويذكر السياق بأن الشركاء لا يملكون حق العبادة لأنهم لم يخلقوا شيئا من الأرض،
[١] راجع بحار الأنوار: ج ٨، ص ٢٥٧.