من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٨ - وكان عهد الله مسؤولا
- كما توضحه نفس الآية- هو إقامة الحجة على الخلق أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢- ١٧٣]. وكل من لبى قبل الآخرين كان أقرب إلى الله، فيزوده بنور العلم والرسالة، وكانوا هم الرسل والأنبياء والأوصياء والأولياء، قال الإمام الصادق عليه السلام
(فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ؟ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ الله
صلى الله عله واله
وأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ
عليه السلام
والأَئِمَّةُ (صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ) فَقَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا. فَحَمَّلَهُمُ العِلْمَ والدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: هَؤُلَاءِ حَمَلَةُ دِينِي وعِلْمِي وأُمَنَائِي فِي خَلْقِي وهُمُ المَسْئُولُونَ)
[١]. ثم اتخذ الله ميثاقا آخر من رسله قبل أن يبعثهم بالرسالة، وكان هذا الميثاق بقوة الميثاق الأول.
ومن يبعث رسولا يؤخذ منه الميثاق، لكي يتحمل الرسالة بكل أمانة، ولأن النبي يتعرض لأنواع الضغوط، يجب أن لا يخضع للظروف والوسط الاجتماعي، فإن الله يذكره بين الحين والآخر بذلك الميثاق عبر آيات، بالرغم من أن النبي منصور من عند الله بالوحي وبروح القدس، ذلك الملك العظيم الذي يؤيد الله به أنبياءه والأئمة، ولعل الوحي كما روح القدس لم يكن أرفع شأنا من القرآن ذاته، لأنه كلام الله. وهل رفعت درجة الوحي إلا بكونه الواسطة التي تحمل القرآن إلى النبي؟ وهل منزلة الرسول صلى الله عله واله إلا بتجسيده كتاب الله وحمله له؟.
والقرآن أعظم مؤيد للرسول ولمن يتبعه، لأنه يثبت قلوبهم، ويزيد في إيمانهم وتوكلهم على الله، بما يذكر به من الآيات والسنن الإلهية، والحوادث السابقة التي تكشف عنها، والقرآن موجود بين أيدينا، فيمكننا أن نستوحي منه بصائر الحياة والعمل، ونستمد منه العزيمة والإيمان والتوكل، ونحن نسير في خط الأنبياء. ولما كان الرسول يواجه ضغوط المنافقين والكفار، ويستعد لحرب الأحزاب التي تجمعت واتحدت ضده، جاء القرآن تأييدا له على الاستقامة أمام كل ذلك، فكان لا بد من تذكيره لميثاقه مع ربه، على العبودية والإخلاص له، مما يستوجب عدم الانهيار أمام هذه الضغوط، باعتباره يناقض الميثاق.
ثم يذكر السياق بقصة الأحزاب التي تشتمل على كثير من العبر والحكم التي من بينها
الحكمة الأولى: تأييد الله للمؤمنين، فقد أيد الله رسوله والمسلمين في هذه الحرب بجنود لم يروها، قيل أنها الملائكة، وقيل هي الريح التي سلطها على الأحزاب، وقد تكون الرعب الذي قال عنه الرسول صلى الله عله واله
(نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)
[٢]، أو هذه جميعاً.
[١] الكافي: ج ١، ص ١٣٢.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٣، ص ٢٥٠.