من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٤ - تتجافى جنوبهم عن المضاجع
الثاني: هو العذاب المادي، ونجده في ختام الآية وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[١٥] ثم يأتي الحديث عن بعض صفات المؤمنين المهمة
الأولى: التسليم والخضوع للحق
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ والمقصود من السجود هنا ليس معناه الظاهري وحسب، بل حالة التسليم للحق التي يرمز لها هذا السجود، والمؤمنون الحقيقيون لأنهم يبحثون عن الحق والهدى فإنهم يسلمون له بمجرد أن يذكروا به، مهما كان ذلك مخالفا لأهواء النفس والمصلحة.
وتوحي كلمة خَرُّوا- التي جاءت من أصل خرير الماء، وهو صوته عند نزوله (مثل صوت الشلال) كما يقول الراغب [١]- إلى أن المؤمنين يتلقون الأرض بمساجدهم، كما يخر الشلال، وهم يولولون بالتسبيح لعمق تأثير الذكر فيهم، بلى؛ كلما زادت معرفة البشر بربه ازداد معرفة بصغر نفسه ومدى حاجته، وانعكس ذلك في صورة وقوعه لربه ساجدا.
وهكذا وجبت السجدة لله في أربع سور هذه واحدة منها، اقتداء بأولئك الرجال الكرام الذين يخرون لربهم ساجدين.
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ فلسجودهم مظاهر خارجية اجتماعية، بالإضافة إلى الصفة النفسية التي يخلفها، ومن أبرز هذه المظاهر التواضع الاجتماعي، الذي يمثل امتدادا للتسليم للحق.
الثانية: التبتل إلى ربهم في الأسحار
[١٦] تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ إنهم يقاومون النوم، لعلمهم بأن الدنيا دار العمل، وليس دار الاسترخاء والراحة، وأنها الفرصة الوحيدة التي يحدد الإنسان فيها مستقبله الأبدي، ولأن المضجع هو حالة التوقف عن السعي والعمل فإنهم يرفضونه، وكلمة تتجافى آتية من الجفاء، وهو بمعنى انقطاع العلاقة بينهم وبين النوم، وهذه الصفة نابعة من نظرتهم الجدية للحياة، فكيف يصير الإنسان أسير الفراش وهو يعلم بأن مستقبله قائم على ما يقدمه في هذه الحياة؟!.
[١] مفردات غريب القرآن: ص ١٤٤.