من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٦ - تتجافى جنوبهم عن المضاجع
عن ضوء العقل وقيم الوحي.
[١٩] ويفصل القرآن الحكيم القول ببيان الفروق العظيمة بين الفريقين
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا برسالة الله، فاتخذوها منطلقا في حياتهم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يقينا منهم بأن الإيمان وحده لا يكفي لخلاص الإنسان، وضمان مستقبله فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مما يؤكد على أن هذه النتيجة كانت ثمرة للإيمان والعمل الصالح، وليس للتمنيات.
[٢٠] ثم يحدثنا السياق عن الفريق الآخر وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ والفاسق هو الخارج عن الصراط المستقيم، الصراط الذي ينتهي إلى جنة الله ورضوانه، فالفاسقون إذن يصيرون إلى النار.
وفي الآيتين حقيقة هامة هي: أن مستقبل الإنسان رهين عمله في الدنيا، فهو يستطيع أن يجعل مأواه الجنة، كما يستطيع أن يجعله النار.
كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا لأن الذي يخرج الإنسان من النار هو إيمانه بالله وعمله الصالح، وهؤلاء لا يملكون شيئا من ذلك، ولهذا فلن يستطيعوا الخروج منها، ويبدو أن أهل النار لا ييأسون من الخروج منها، فإذا بهم يحاولون المرة بعد الأخرى الخلاص، ولكن دون جدوى. وفي الحديث
(يَقُولُ المُؤْمِنُون
- لأهل النار-
انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الأَبْوَابِ فَيَنْظُرُونَ إِلَى أَبْوَابِ الجِنَانِ مُفَتَّحَةً يُخَيَّلُ إِلَيْهِمْ أَنَّهَا إِلَى جَهَنَّمَ الَّتِي فِيهَا يُعَذَّبُونَ وَيُقَدِّرُونَ أَنَّهُمْ مُمَكَّنُونَ أَنْ يَتَخَلَّصُوا إِلَيْهَا فَيَأْخُذُونَ فِي السِّبَاحَةِ فِي بِحَارِ حَمِيمِهَا وَ عَدْواً بَيْنَ أَيْدِي زَبَانِيَتِهَا وَهُمْ يَلْحَقُونَهُمْ وَيَضْرِبُونَهُمْ بِأَعْمِدَتِهِمْ وَمِرْزَبَاتِهِمْ وَسِيَاطِهِمْ فَلَا يَزَالُونَ هَكَذَا يَسِيرُونَ هُنَاكَ وَهَذِهِ الأَصْنَافُ مِنَ العَذَابِ تَمَسُّهُمْ حَتَّى إِذَا قَدَّرُوا أَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا تِلْكَ الأَبْوَابَ وَجَدُوهَا مَرْدُومَةً عَنْهُمْ وَتُدَهْدِهُهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِأَعْمِدَتِهَا فَتَنْكُسُهُمْ إِلى سَواءِ الجَحِيم) [١].
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ.
[٢١] كان بإمكان هؤلاء أن يستدلوا على عذاب الآخرة بالعذاب الذي يجدونه في الدنيا، ومن ثم يقاومون عوامل الغفلة والنسيان، فيؤوبون إلى رشدهم، ويرجعون إلى الحقيقة كلما ابتعدوا عنها، ولكنهم لم يفعلوا ذلك.
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ في تفسير نور الثقلين عن المجمع عن الإمام الصادق عليه السلام
(وَأَمَّا العَذَاب الأَدْنَى فَفِي الدُّنْيَا)
[٢]. والذي من أهم أهدافه هداية الإنسان إلى الحقيقة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ٢٢٩.
[٢] تفسير نور الثقلين: ج ٤، ص ٢٣٢. جاءت عدة روايات في هذا الباب منها: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «
الأَدْنَى غَلَاءُ السِّعْرِ وَالأَكْبَرُ المَهْدِيُّ بِالسَّيْفِ
» (بحارالأنوار: ج ٥١، ص ٥٩) و (تأويل الآيات: ص ٤٣٧)، وعن علي بن ابراهيم: «
العَذَابُ الأَدْنَى عَذَابُ الرَّجْعَةِ بِالسَّيْفِ
» (تفسير القمي: ج ٢ ص ١٧٠).