من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٥ - تتجافى جنوبهم عن المضاجع
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً من النار فلا يقتربون من المعاصي، لأنها تنتهي بهم إليها، وَطَمَعاً في الجنة. فتجدهم يبحثون عن كل عمل يوصلهم إليها. قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المؤمن
(لَا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلَّا أَمَّهَا ولَا مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَهَا) [١].
الثالثة: الإنفاق في سبيل الله
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
الإمكانات والنعم التي يمن الله بها عليهم، يفكرون في تحويلها إلى زاد للآخرة، أكثر من تفكيرهم في استهلاكها، وصرفها على أنفسهم، وهكذا ينبغي للإنسان أن يفكر في آخرته قبل تفكيره في دنياه وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧].
[١٧] وبعد ذلك يشجع القرآن على الاقتداء بهذا الفريق من الناس، حينما يذكر جزاءهم الحسن عن الله بإبهام، والذي هو في موارده أمضى أثرا من التوضيح.
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فكلما وصفت الجنة كانت دون واقعها. أوليس فيها ما لا عين رأت، ولا إذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟! بلى؛ وإن نعم الجنة تقر عين أصحابها، لأنها صافية من الأكدار، ونفوس أهلها زاكية، لا غل فيها، ولا حقد ولا طمع.
وجاء في الحديث في تفسير هذه الآية عن الإمام الصادق عليه السلام
(مَا مِنْ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا العَبْدُ إِلَّا ولَهَا ثَوَابٌ مُبِينٌ فِي القُرْآنِ إِلَّا صَلَاةَ اللَّيْلِ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُبَيِّنْ ثَوَابَهَا لِعِظَمِ خَطَرِهَا) [٢].
[١٨] ويذكرنا الرب بحكمته البالغة لنسف تمنيات البشر التي توهمه بأنه من أهل الجنة، وأنه آمن من أن يكون من الفاسقين، فيفقد الضابط الحق لسلوكه.
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً يعمل الصالحات، ويستجيب لله ولأوليائه، ويتحلى بتلك الصفات التي ذكرت آنفا؛ كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً يقترف السيئات والجرائم.
ويجيب القرآن أن ذلك محال، ويخالف حكمة الله التي تتجلى في الخليقة أنى بصرنا بها لا يَسْتَوُونَ، وهذه هي الإجابة الفطرية على التمنيات الباطلة التي تغزو فؤاد الإنسان بعيدا
[١] بحار الأنوار: ج ٢، ص ٥٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ٨، ص ٩٣.