من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٣ - تتجافى جنوبهم عن المضاجع
مع الحكمة من الحياة الدنيا، هي التي يصل إليها الإنسان بعقله وإرادته، وبالاستفادة من رسالة ربه إليه. ولو شاء الله جبر الناس على الهدى، وكانت تنتهي بهم إلى الجنة.
وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وهذا القسم يدعونا إلى الجد في الحياة، والسعي لكسب الجنة، واجتناب النار الذي لا يمكن من دون العمل الصالح.
[١٤] ثم يؤكد القرآن أن حقيقة الآخرة مسجلة في ذاكرة الإنسان الفطرية، كما يمكن له أن يستنتجها بإعمال عقله، وتصديق رسالة ربه، إلا إنه ينساها بسبب حجب الشهوات، والأفكار الباطلة، ومن ثم لا يستعد لذلك اليوم بل يتمادى في الانحراف والعصيان، فيستحق بذلك العذاب.
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ فلا ينصرهم الله ولا يرحمهم، وليس النسيان هنا بمعنى عدم العلم، بل عدم العمل بما يقتضيه العلم، وهو كناية عن الإهمال وعدم الإلتفات لهم بعين الرحمة مما يعني أن مآلهم النار. والمعنى هاهنا خلافا لمعنى النسيان عند البشر كسائر الكلمات، مثلا الغضب بالنسبة للإنسان يعني وجود حالة من الغليان في نفسه، بينما يعني بالنسبة إلى الله النتيجة المترتبة على الغضب كالعذاب، ذلك أنه تعالى تصدق عليه الغايات دون المبادئ.
ولعل نسيان الله للعبد أشد من أي عذاب آخر وهو ما توضحه كم تكشف عن معنى النسيان، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: ٧٧].
وفي الدعاء
(فَهَبْنِي يَا إِلَهِي وَ سَيِّدِي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ وَ هَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِك أَمْ كَيْفَ أَسْكُنُ فِي النَّارِ وَرَجَائِي عَفْوُك) [١].
ومن تضاعيف الآية يتبين وجود نوعين من العذاب
الأول: هو العذاب النفسي المتمثل في نسيان الله، ويشير إليه الشطر الأول منها وهو جزاء لنسيان الإنسان ربه.
[١] الإقبال الأعمال: ص ٧٠٨، دعاء كميل.