من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - لماذا سخر الله الخليقة للإنسان
[٢٢] قد يشعر الإنسان بنعم الله عليه، ومن ثم يرى نفسه مسؤولا عن أداء الشكر له عليها، ولكن يقف متسائلا: كيف يمكن لي ذلك؟ ونجيبه عد إلى القرآن واقرأ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ.
بأن يخضع له خضوعا مطلقا، وبكل ما يملكه من الطاقات المادية والمعنوية، ولكن أي خضوع ذلك الذي تدعو الآية الإنسان إليه هل هو الخضوع الذي يدعوه إلى السكون والخمول؟
بالطبع كلا؛ إنما تدعو إلى ذلك الخضوع المليء بالنشاط والحركة فصاحبه من جانب يتوجه إلى الله بكله، ومن جانب آخر يتفجر إحسانا وعطاء لعباد الله في سبيله.
وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الكمال، بأن تصبح علاقته مع الله علاقة تسليم وخضوع، ومع الناس علاقة إحسان وعطاء.
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ فمن جانب يكون هذا الإنسان قد تمسك بخط واضح وسليم في الدنيا فحظي بالسعادة، ومن جانب آخر فإنه سيرجع إلى الله ليجازيه على شكره بتسليمه له وإحسانه للعباد.
ولعل تأكيد القرآن في آيات عديدة بأن التسليم لله هو التمسك بحبله المتين، وبالعروة الوثقى يهدف إلى علاج عقدة مستعصية عند البشر هي عقدة الخوف من المخلوقات، هذا الخوف الذي يدفعه نحو الخضوع للمخلوقين والشرك بالله العظيم، بينما الرب يؤكد بأن من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى، وأنه لا أمان للإنسان إلا بالتوحيد الخالص.
التسليم لله في الواقع لا يتحقق من دون التسليم للقيادة الشرعية المتمثلة في أئمة الهدى، والرضا بولاية من أمر الله بولايتهم.
[٢٣] وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ومادام الأمر كذلك فلماذا يحزن الإنسان نفسه، هل لأن الآخرين على خطأ؟! وإذ ينهى الله عن هذا الحزن فلأن المؤمن لو أدام حزنه على كفر الكفار فلربما يجره هذا الحزن شيئا فشيئا إلى طريقهم المنحرف، فلكي لا يقع المؤمن في خطأ فظيع كهذا يوجهه الله إلى ضرورة تجنب الانفعال النفسي كما يفعله الآخرون.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ فلا تخفى عليه خافية، وإنما خصص بالذكر الصُّدُورِ بالذات لأن عمل الإنسان يخضع إلى مقياسين