من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٤ - لماذا سخر الله الخليقة للإنسان
أرأيت الذي يزور- لأول مرة- حديقة الحيوان أو معرضا الكترونيا، أو مصنعا عظيما، أو ناطحة سحاب، أو أهرام مصر؟.
هكذا حال المؤمن أبدا في الحياة بينما غيره يشبه الذي يزور غرفة نومه لا يرى فيها جديدا.
والسؤال: ما الفرق بينهما؟
الجواب
أولًا: قلب المؤمن صاف بينما الناس يعيشون هموما كثيرة، كما إن أكثرهم يعيش العقد والسلبيات.
ثانياً: المؤمن يعلم أن كل شيء قائم بالله، ولو لا فضل الله المتوالي، وعطاءه المستمر، وتدبيره وسلطانه لما قام شيء، ولا بقيت نعمة، ولا دام نظام، لذلك فهو يتعامل مع الأشياء وكأنها جديدة ومثله في هذا التعامل مثل من يعطيه الملك كل يوم مئة درهم من دون استحقاق وهو يعيش عليها، وأنه متى ما شاء منعه منه في أي يوم، فتراه يستلم كل يوم عطاءه بوجد وفرح، ولعل هذا الإحساس هو مصدر الشكر عند المؤمن فإذا به يسبح ربه بكرة وعشيا، وفي المساء وعند الظهيرة، لأن استمرار وجوده أساسا عند هذه الساعات نعمة. أوليس هناك البعض الذي عاش صباحا وكان عند المساء تحت التراب، أو أمسى حيا ولكنه حرم رؤية الشمس في اليوم التالي وإلى الأبد.
إن المؤمن يملك من الثقة برحمة الله ما يجعله قادرا على التخطيط المستقبلي، ولكنه في الوقت ذاته ينظر إلى الخليقة نظرة بعيدة عن الجمود و التحجر، فيخشى زوال النعم في أية لحظة، ويسعى أبدا لإبقائها، وقلبه بذلك يعيش طريا نظيرا وجديدا، وهكذا يعيش المؤمن بين الخوف والرجاء وكذلك وصى لقمان ابنه قائلا له
(يَا بُنَيَّ خَفِ اللهَ خَوْفاً لَوْ أَتَيْتَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِبِرِّ الثَّقَلَيْنِ خِفْتَ أَنْ يُعَذِّبَكَ وَارْجُ اللهَ رَجَاءً لَوْ وَافَيْتَ القِيَامَةِ بِإِثْمِ الثَّقَلَيْنِ رَجَوْتَ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبَهْ وَكَيْفَ أُطِيقُ هَذَا وَإِنَّمَا لِي قَلْبٌ وَاحِدٌ.
فَقَالَ لَهُ لُقْمَانُ: يَا بُنَيَّ لَوِ اسْتُخْرِجَ قَلْبُ المُؤْمِنِ فَشُقَّ لَوُجِدَ فِيهِ نُورَانِ نُورٌ لِلْخَوْفِ وَنُورٌ لِلرَّجَاءِ لَوْ وُزِنَا مَا رُجِّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ بِمِثْقَالِ ذَرَّة فَمَنْ يُؤْمِنُ بِالله يُصَدِّقُ مَا قَالَ اللهُ وَمَنْ يُصَدِّقُ مَا قَالَ اللهُ يَفْعَلُ مَا أَمَرَ اللهُ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَ اللهُ لَمْ يُصَدِّقْ مَا قَالَ اللهُ فَإِنَّ هَذِهِ الأَخْلَاقُ يَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله إِيمَاناً صَادِقاً يَعْمَلْ لِلَّهِ خَالِصاً نَاصِحاً وَ مَنْ يَعْمَلْ لِلَّهِ خَالِصاً