من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٣ - لماذا سخر الله الخليقة للإنسان
لأن بينهم وبينها حجبا متراكمة، وإنما القرآن هدى لأنه يثير العقل، ويرفع الحجب، فإذا بالقلب المحدود ينفتح على الآفاق الرحيبة.
حقا ما أبعد غور العلم عند المؤمن الذي ينظر إلى الخليقة من دون حجاب، وبفؤاد فارغ من العقد والأوهام والتمنيات، فإذا أبصر البدوي الموغل في الصحراء مع سفينته التي يحبها ويرتل لها الأشعار على نغم الحدي فإذا بينه وبين إبله أكثر من مجرد صلة مادية.
هنالك يقول المؤمن: ما شاء الله كيف سخر هذا الحيوان الصبور للبشر، وجعل أفضل عابر للرمال المتحركة والصحاري القفر.
وإذا رأى رجلا شجاعا يمتطي ظهر جواده في المعركة، فإذا بالجواد يستجيب لإشاراته الخاطفة وكأنه جهاز إلكتروني حساس، هنالك يقول: الله أكبر كيف سخر الله لنا هذا الحيوان الذكي، وما كنا عليه بقادرين.
وحين يجتاز البشر أعمدة القرون ويمتطي صهوة الطائرات الأسرع من الصوت، والصواريخ الفضائية ذات الوقود الذري، يقول المؤمن بذات النبرة سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.
إن من سخر لنا الإبل والجواد هو الذي سخر لنا الحديد والذرة، وعلمنا كيف نصنع من خردة حديد، وبضع كيلوات من مادة متفجرة صواريخ مدارية.
إن مثل المؤمن مثل الفنان الذي يقف أمام لوحة بارعة الجمال فتغمر قلبه الحساس موجات من الإعجاب والرضا والانشراح، بينما الكافر كالأعمى لا تزيده اللوحة إلا ظلاما.
أغلب الناس ينشرحون إذا زاروا لأول مرة مزرعة للورود، أو حقولا خضراء منبسطة على امتداد البصر، أو شاهدوا مصنعا عظيما أو إنجازا علميا باهرا، ولكنهم يعودون بعد لحظات محدودة إلى واقعهم الأول فتشغل قلوبهم الهموم، ويغرقون في بحر المشاكل الحياتية. أليس كذلك؟.
بينما المؤمن يرى كل شيء وكأنه ينظر إليه لأول مرة، فإحساسه المرهف يجعله أبدا كالقائد العسكري الذي يستعرض جيشه اللجب في يوم عيد، كذلك المؤمن ينظر إلى الطبيعة من حوله وقد سخرت له كما ينظر ذلك القائد إلى جنده العظيم، إنه يعيش أبدا كما لو ولد الآن أو جاء من كوكب بعيد، قلبه بريء، ونظراته عميقة، وفطرته نقية.