الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٦ - قصة الخارجين عليه و مقتله
فعرفت بعضهم، و سفر النائم فإذا هو يزيد بن الوليد، فعرفته فلم يكلمني. و مضوا ليدخلوا دمشق ليلا في نفر من أصحابه مشاة إلى معاوية بن مصاد [١] و هو بالمزّة- و بينها و بين دمشق ميل- فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية فضربوا بابه و قالوا: يزيد بن الوليد؛ فقال له معاوية: الفراش، ادخل أصلحك اللّه؛ قال: في رجلي طين و أكره أن أفسد عليك بساطك؛ فقال: ما تريدني [٢] عليه أفسد. فمشى على البساط و جلس على الفراش، ثم كلّم معاوية فبايعه. و خرج إلى دمشق فنزل دار ثابت بن سليمان الحسنيّ [٣] مستخفيا، و على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف، فخاف عبد الملك الوباء فخرج فنزل قطنا [٤]، و استخلف ابنه على دمشق و على شرطته أبو العاج كثير بن عبد اللّه السّلميّ. و تمّ ليزيد أمره فأجمع على الظهور. و قيل لعامل دمشق: إنّ يزيد خارج فلم يصدّق.
و أرسل يزيد/ إلى أصحابه بين المغرب و العشاء في ليلة الجمعة من جمادى الآخرة سنة سبع [٥] و عشرين و مائة، فكمنوا في ميضأة عند باب الفراديس [٦]؛ حتى إذا أذّنوا العتمة دخلوا المسجد مع الناس فصلّوا. و للمسجد حرس قد و كلّوا بإخراج الناس من المسجد بالليل؛ فإذا خرج الناس خرج الحرس و أغلق صاحب المسجد الأبواب، و دخل الدار من باب المقصورة فيدفع المفاتيح إلى من يحفظها/ و يخرج. فلما صلّى الناس العتمة صاح الحرس بالناس فخرجوا، و تباطأ أصحاب يزيد الناقص، فجعلوا يخرجونهم من باب و يدخلون من باب، حتى لم يبق في المسجد إلا الحرس و أصحاب يزيد، فأخذوا الحرس. و مضى [يزيد بن] [٧] عنبسة [السّكسكيّ] [٧] إلى يزيد فأخبره و أخذه بيده و قال: قم يا أمير المؤمنين و أبشر بعون اللّه و نصره؛ فأقبل و أقبلنا و نحن اثنا عشر رجلا. فلما كنّا عند سوق القمح لقيهم فيها مائتا رجل من أصحابهم، فمضوا حتى دخلوا المسجد و أتوا باب المقصورة، و قالوا: نحن رسل الوليد، ففتح لهم خادم الباب، و دخلوا فأخذوا الخادم، و إذا أبو العاج سكران فأخذوه و أخذوا خزّان البيت [٨] و صاحب البريد؛ و أرسل إلى كلّ من كان يحذره فأخذه. و أرسل من ليلته إلى محمد بن عبيدة مولى سعيد بن العاص و هو على بعلبكّ، و إلى عبد الملك بن محمد بن الحجّاج فأخذهما. و بعث أصحابه إلى الخشبيّة [٩] فأتوه؛ و قال للبوّابين: لا تفتحوا الأبواب غدوة إلّا لمن أخبركم بشعار كذا و كذا. قال: فتركوا الأبواب في السلاسل. و كان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، فلم يكن الخزّان قبضوه، فأصابوا سلاحا كثيرا فأخذوه و أصبحوا، و جاء [١٠] أهل المزّة مع حريث بن أبي الجهم. فما انتصف النهار حتى بايع الناس يزيد و هو يتمثّل قول النابغة:
[١] كذا في «الطبري» (ق ٢ ص ١٧٨٩ طبع أوروبا). و في الأصول: «معاوية بن معاذ». و هو سيد أهل المزة و قد كان أهل المزة بايعوا يزيد إلا معاوية هذا.
[٢] في الأصول: «ما تريد بي أفسد عليه». و عبارة «الطبري»: «الذي تريدني عليه أفسد».
[٣] في «الطبري» ق ٢ ص ٨٣٩، ١٧٨٩: «ثابت بن سليمان بن سعد الخشني».
[٤] في الأصول: «قنطا» بتقديم النون على الطاء. و التصويب عن «الطبري».
[٥] الصواب سنة ست و عشرين و مائة، كما في كتب التاريخ.
[٦] باب الفراديس: باب من أبواب دمشق. قال ابن قيس الرقيات:
أقفرت منهم الفراديس و الغو
طة ذات القرى و ذات الظلال
[٧] التكملة عن «الطبري» و عن الأصول فيما سيأتي.
[٨] يريد بيت المال.
[٩] الخشبية سيذكر المؤلف بعد قليل أنهم أصحاب المختار بن أبي عبيد.
[١٠] عبارة «الطبري»: «و جاء أهل المزة و ابن عصام ... إلخ».