الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٤ - غنت علي بن هشام صوتا أراد إسحاق انتحاله فعوضه عنه ببرذون
كانت متيّم ذات يوم جالسة بين يدي المعتصم ببغداد و إبراهيم بن المهديّ حاضر؛ فغنّت متيّم في الثقيل الأوّل:
لزينب طيف تعتريني طوارقه
هدوّا إذا ما النّجم لاحت لواحقه
فأشار إليها إبراهيم أن تعيده؛ فقالت متيّم للمعتصم: يا سيّدي، إبراهيم يستعيدني الصوت و كأنه يريد أن يأخذه؛ فقال لها: لا تعيديه. فلما كان بعد أيام كان إبراهيم حاضرا مجلس المعتصم و متيّم غائبة، فانصرف إبراهيم بعد حين إلى منزله و متيّم في منزلها بالميدان [١] و طريقه عليها و هي في منظرة لها مشرفة على الطريق و هي تغنّي هذا الصوت/ و تطرحه على جواري عليّ بن هشام؛ فتقدّم إلى المنظرة و هو على دابّته فتطاول حتى أخذ الصوت، ثم ضرب باب المنظرة بمقرعته و قال: قد أخذناه بلا حمدك.
طلبها المأمون من علي بن هشام فلم يرض
: و قال ابن المعتزّ: و حدّثت أنّ المأمون سأل عليّ بن هشام أن يهبها له و كان بغنائها معجبا [٢]؛ فدفعه بذلك و لم يكن له منها ولد. فلما ألحّ المأمون في طلبها حرص عليّ على أن تعلق منه حتى حبلت و يئس المأمون منها. فيقال إن ذلك كان سببا لغضبه عليه حتى قتله.
كان المعتصم يمازحها
: و حدّثني سليمان [٣] الطّبّال أنه رأى متيّم في بعض مجالس المعتصم يمازحها و يجبذ بردائها.
غنت علي بن هشام صوتا أراد إسحاق انتحاله فعوّضه عنه ببرذون
: و حكى عليّ بن محمد الهشاميّ قال:
أهدي إلى عليّ بن هشام برذون أشهب قرطاسيّ [٤] و كان في النّهاية من الحسن و الفراهة، و كان عليّ به معجبا، و كان إسحاق يشتهيه شهوة شديدة، و عرّض لعليّ بطلبه مرارا فلم يرض أن يعطيه له. فسار إسحاق إلى عليّ يوما بعقب/ صنعة متيّم «فلا زلن حسرى» فاحتبسه عليّ و بعث إلى متيّم أن تجعل صوتها هذا في صدر غنائها ففعلت، فأطرب إسحاق إطرابا شديدا، و جعل يستردّه، فتردّه و تستوفيه ليزيد في إطرابه إسحاق و هو يصغي إليها و يتفهّمه حتى صحّ له. ثم قال لعليّ: ما فعل البرذون الأشهب؟ قال: على ما عهدت من حسنه و فراهته. قال:
فاختر الآن منّي خلّة من اثنتين: إما أن طبت لي نفسا به و حملتني عليه، و إما أن أبيت فأدّعي و اللّه هذا الصوت لي و قد أخذته، أ فتراك تقول: إنه لمتيّم و أقول: إنه لي و يؤخذ قولك/ و يترك قولي؟! قال: لا و اللّه ما أظنّ هذا و لا أراه؛ يا غلام قد [٥] البرذون إلى منزل أبي محمد بسرجه و لجامه، لا بارك اللّه له فيه!.
[١] شارع الميدان: محلة ببغداد و هي بشرقي بغداد بباب الأزل.
[٢] في الأصول: «محسنا».
[٣] في أ، م: «سلمان».
[٤] القرطاسي: الأبيض الذي لا يخالط بياضه شية.
[٥] كذا في «نهاية الأرب» (ج ٥ ص ٦٣ طبعة أولى) و في الأصول: «قدم البرذون».