الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٣ - قصته مع شامية تزوجها و شعره فيها
لقد كان في حولين حالا و لم أزر
هواي و إن خوّفت عن حبها شغل
حمى الملك الجبّار عنّي لقاءها
فمن دونها تخشى المتالف و القتل
فلا خير في حبّ يخاف و باله
و لا في حبيب لا يكون له وصل
فوا كبدي إنّي شهرت بحبّها
و لم يك فيما بيننا ساعة بذل
و يا عجبا إني أكاتم حبّها
و قد شاع حتى قطّعت دونها السّبل
قال: فقال معاوية: قد و اللّه رفّهت عنّي، فما كنت آمن أنه قد وصل إليها؛ فأمّا الآن و هو يشكو أنّه لم يكن بينهما وصل و لا بذل فالخطب فيه يسير، قم عنّي؛/ فقام يزيد فانصرف. و حجّ معاوية في تلك السنة؛ فلما انقضت أيام الحجّ كتب أسماء وجوه قريش و أشرافهم و شعرائهم و كتب فيهم اسم أبي دهبل، ثم دعا بهم ففرّق في جميعهم صلات سنيّة و أجازهم جوائز كثيرة. فلما قبض أبو دهبل جائزته و قام لينصرف دعا به معاوية فرجع إليه؛ فقال له:
/ يا أبا دهبل، ما لي رأيت أبا خالد يزيد ابن أمير المؤمنين عليك ساخطا في قوارص [١] تأتيه عنك و شعر لا تزال قد نطقت به و أنفذته إلى خصمائنا و موالينا، لا تعرض لأبي خالد. فجعل يعتذر إليه و يحلف له أنّه مكذوب عليه. فقال له معاوية: لا بأس عليك، و ما يضرّك ذلك عندنا؛ هل تأهّلت؟ قال: لا. قال: فأيّ بنات عمّك أحبّ إليك؟ قال:
فلانة؛ قال: قد زوّجتكها و أصدقتها ألفي دينار و أمرت لك بألف دينار. فلما قبضها قال: إن رأي أمير المؤمنين أن يعفو لي عمّا مضى! فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق منّي فقد أبحت به دمي و فلانة التي زوّجتنيها طالق البتّة. فسرّ بذلك معاوية و ضمن له رضا يزيد عنه و وعده بإدرار ما وصله به في كل سنة؛ و انصرف إلى دمشق. و لم يحجج معاوية في تلك السنة إلا من أجل أبي دهبل.
قصته مع شامية تزوّجها و شعره فيها
: أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه قال:
خرج أبو دهبل يريد الغزو، و كان رجلا صالحا و كان جميلا. فلما كان بجيرون جاءته امرأة فأعطته كتابا فقالت: اقرأ لي هذا الكتاب فقرأه لها، ثم ذهبت فدخلت قصرا ثم خرجت إليه فقالت: لو بلغت [٢] القصر فقرأت الكتاب على امرأة كان لك/ فيه أجر إن شاء اللّه، فإنه من غائب لها يعنيها أمره؛ فبلغ معها القصر؛ فلما دخلا إذا فيه جوار كثيرة، فأغلقن القصر عليه، و إذا فيه امرأة وضيئة، فدعته إلى نفسها فأبى، فأمرت به فحبس في بيت في القصر و أطعم و سقي قليلا قليلا حتى ضعف و كاد يموت، ثم دعته إلى نفسها فقال: لا يكون ذلك أبدا، و لكنّي أتزوّجك؛ قالت: نعم، فتزوّجها؛ فأمرت به فأحسن إليه حتى رجعت إليه نفسه، فأقام معها زمانا طويلا لا تدعه يخرج، حتى يئس منه أهله و ولده، و تزوّج بنوه و بناته و اقتسموا ماله، و أقامت زوجته تبكي عليه حتى عمشت و لم تقاسمهم ماله. ثم إنه قال لامرأته: إنك قد أثمت فيّ و في ولدي و أهلي؛ فأذني لي أطالعهم و أعود إليك؛ فأخذت
[١] كذا في س و «تجريد الأغاني». و القوارص: الكلم التي تؤلم و تنغص. و في سائر الأصول «قواريض» بالضاد المعجمة.
[٢] في الأصول: «تبلغت».