الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٨ - كان ابن بسخنر يكره الصبوح فقال فيه شعرا
حتى انتهى إلى قوله:
فضّت خواتمها في نعت واصفها
عن مثل رقراقة في عين مرهاء
فقال له ابن مناذر: حسبك، قد استغنيت عن أن تزيد شيئا، و اللّه لو لم تقل في دهرك كلّه غير هذا البيت لفضّلتك به على سائر من وصف الخمر؛ قم فأنت أشعر و قصيدتك أفضل. فحكم له و قام أبو نواس منكسرا.
قال شعرا لكثير بن إسماعيل استرضى به المعتصم
: أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن محمد قال حدّثني كثير بن إسماعيل التحتكار قال:
لمّا قدم المعتصم بغداد، سأل عن ندماء صالح بن الرشيد و هم أبو الواسع و قنّينة و حسين بن الضحّاك و حاتم الرّيش و أنا، فأدخلنا عليه. فلشؤمي و شقائي كتبت بين عينيّ: «سيّدي هب لي شيئا». فلما رآني/ قال: ما هذا على جبينك؟! فقال حمدون [١] بن إسماعيل: يا سيّدي تطايب بأن كتب على جبينه: «سيّدي هب لي شيئا»!. فلم يستطب لي ذلك و لا استملحه، و دعا بأصحابي من غد و لم يدع بي. ففزعت إلى حسين بن الضحّاك؛ فقال لي: إنّي لم أحلل من أنسه بعد بالمحلّ الموجب أن أشفع إليه فيك، و لكني أقول لك بيتين من شعر و ادفعهما إلى حمدون بن إسماعيل يوصلهما، فإن ذلك أبلغ. فقلت: أفعل. فقال حسين:
قل لدنيا أصبحت تلعب بي
سلّط اللّه عليك الآخرة
إن أكن أبرد من قنّينة
و من الرّيش فأمّي فاجره
قال: فأخذتهما و عرّفت حمدون أنهما لي و سألته إيصالهما ففعل؛ فضحك المعتصم و أمر لي بألفي دينار و استحضرني و ألحقني بأصحابي.
كان ابن بُسخُنَّر يكره الصبوح فقال فيه شعرا
: أخبرني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال قال لي أحمد [٢] بن حمدون:
كان محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر لا يرى الصّبوح و لا يؤثر على الغبوق شيئا، و يحتجّ بأن من خدم الخلفاء كان اصطباحه استخفافا بالخدمة، لأنه لا يأمن أن/ يدعى على غفلة و الغبوق يؤمّنه من ذلك، و كان المعتصم يحبّ الصبوح؛ فكان يلقّب ابن بُسخُنَّر الغبوقيّ. فإذا حضر مجلس المعتصم مع المغنّين منعه الصّبوح و جمع له مثل ما يشرب نظراؤه، فإذا كان الغبوق سقاه إيّاه جملة غيظا عليه؛ فيضجّ [٣] من ذلك و يسأل أن يترك حتى يشرب مع النّدماء إذا حضروا [٤] فيمنعه ذلك. فقال فيه حسين بن الضحّاك و في حاتم الرّيش الضّرّاط و كان من المضحكين:
حبّ أبي جعفر للغبوق
كقبحك يا حاتم مقبلا
[١] هو حمدون بن إسماعيل بن داود الكاتب. و هو أول من نادم [الخلفاء] من أهله. (عن «فهرست ابن النديم»).
[٢] هو أحمد بن حمدون بن إسماعيل راوية إخباري روى عن العدوي، له من الكتب «كتاب الندماء و الجلساء». (عن «فهرست ابن النديم»).
[٣] في ب، س، ح: «فيصيح».
[٤] في الأصول: «حضر».