الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٧ - ما وقع بين قريش و بين بني عامر بن عبد مناة في الجاهلية
الثاني فهو سالم مولى/ أبي حذيفة. و كان خالد قد أمر كلّ من أسر أسيرا أن يضرب عنقه، فأطلق عبد اللّه بن عمر و سالم مولى أبي حذيفة أسيرين كانا معهما. فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عليّا رضي اللّه عنه بعد فراغه من حنين و بعث معه بإبل و ورق و أمره أن يديهم فوداهم، ثم رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فسأله فقال عليّ: قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا الجمل بما أصيب منكم من القتلى و الجرحى و تحلّلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟ قالوا نعم. فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثاني بما دخلكم من الرّوع و الفزع؟ قالوا نعم. فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثالث و تحلّلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ممّا علم و ممّا لم يعلم؟ قالوا نعم. قال: فدفعته إليهم، و جعلت أديهم، حتى إني لأدي ميلغة [١] الكلب، و فضلت فضلة فدفعتها إليهم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «أ فقبلوها؟» قال نعم. قال: «فو الذي أنا عبده لهي أحبّ إليّ من حمر النّعم».
و قالت سلمى [٢] بنت عميس:
و كم غادروا يوم الغميصاء من فتى
أصيب فلم يجرح و قد كان جارحا
/ و من سيّد كهل عليه مهابة
أصيب و لمّا يعله الشيب واضحا
أحاطت [٣] بخطّاب الأيامى و طلّقت
غداتئذ من كان منهنّ ناكحا
و لو لا مقال القوم للقوم أسلموا
للاقت سليم يوم ذلك ناطحا
ما وقع بين قريش و بين بني عامر بن عبد مناة في الجاهلية
: قال ابن دأب: و أمّا سبب قتلهم القرشيّين، فإنه كان نفر من قريش بضعة عشر أقبلوا من اليمن حتى نزلوا على ماء من مياه بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، و كان يقال لهم «لعقة الدّم» و كانوا ذوي بأس شديد. فجاءت إليهم بنو عامر فقالوا للقرشيّين: إيّاكم أن يكون معكم رجل من فهم؛ لأنه كان له عندهم ذحل. قالوا: لا و اللّه ما هو معنا، و هو معهم. فلما راحوا أدركهم العامريّون ففتّشوهم فوجدوا الفهميّ معهم في رحالهم، فقتلوه و قتلوهم و أخذوا أموالهم. فقال راجزهم:
إنّ قريشا غدرت و عاده
نحن قتلنا منهم بغادة [٤]
عشرين كهلا ما لهم زياده
و كان فيمن قتل يومئذ عفّان بن أبي العاصي أبو عثمان بن عفّان، و عوف بن عوف أبو عبد الرحمن بن عوف، و الفاكه بن المغيرة، و الفاكه بن الوليد بن المغيرة. فأرادت قريش قتالهم حتى خذلتهم بنو الحارث بن عبد مناة فلم
[١] الميلغة: الإناء الذي يلغ فيه الكلب.
[٢] هي أخت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه. و قد وردت هذه الأبيات في «سيرة ابن هشام» باختلاف في كلماتها، و ذكر أن بعضهم يقول: إنها لسلمى و آخر يقول: إنها لقائل من بني جذيمة.
[٣] في «الروض الأنف» للسهيلي (ج ٢ ص ٢٨٥ طبع مصر) و «معجم البلدان» لياقوت في الكلام على الغميصاء: «ألظت». و ألظ بالشيء و لظ به: لزمه.
[٤] غادة: موضع في ديار كنانة. قال ساعدة:
فما راعهم إلا أخوهم كأنه
بغادة فتخاء الجناح كسير
(عن «معجم ما استعجم» للبكري).