الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٩ - أباح له أبو بجير شرب النبيذ
كنت مع السيّد و قد اكترينا سفينة إلى الأهواز؛ فجلس فيها معنا قوم شراة، فجعلوا ينالون من عثمان. فأخرج السيّد رأسه إليهم و قال:
/
شفيت من نعثل في نحت أثلته [١]
فاعمد هديت إلى نحت الغويّين
اعمد [٢] هديت إلى نحت اللّذين هما
كانا عن الشرّ لو شاء اغنيّين
قال إسماعيل: فلما قدمنا الأهواز قدم السيّد و قد سكر، فأتي به أبا بجير بن سماك الأسديّ؛ و كان ابن النّجاشيّ عند ابن سماك بعد العشاء الآخرة، و كان [٣] يعرفه باسمه و لم يعرفه. فقال له: يا شيخ السّوء، تخرج سكران في هذا الوقت! لأحسننّ أدبك. فقال له: و اللّه لا فعلت، و لتكرمنّي و لتخلعنّ عليّ و تحملنّي و تجيزنّي.
قال: أو تهزأ أيضا! قال: لا و اللّه! ثم اندفع ينشده فقال:
من كان معتذرا من شتمه عمرا
فابن النّجاشيّ منه غير معتذر
و ابن النجاشي براء- غير محتشم-
في دينه من أبي بكر و من عمر
ثم أنشده قوله:
إحداهما [٤] نمّت عليه حديثه
و بغت [٥] عليه نفسه إحداهما
فهما اللتان سمعت ربّ محمد
في الذكر قصّ على العباد نباهما [٦]
فقال: أبو هاشم؟ فقال نعم. قال: ارتفع. فحمله و أجازه، و قال: و اللّه لأصدّقنّ قولك في جميع ما حلفت عليه.
أباح له أبو بجير شرب النبيذ
: قال إسماعيل: رأى أبو بجير السيّد متغيّر اللّون، فسأله عن حاله؛ فقال: فقدت الشراب الذي ألفته لكراهة الأمير إيّاه؛ قال: فاشربه، فإنّنا نحتمله لك. قال: ليس عندي. قال لكاتبه: اكتب له بمائتي دورق ميبختج [٧]. فقال له السيّد: ليس هذا من البلاغة. قال: و ما هي؟ قال: البلاغة أن تأتي من الكلام بما يحتاج إليه و تدع ما يستغنى عنه. قال: و كيف ذلك؟ قال: اكتب بمائتي دورق «مي» و لا تكتب «بختج»، فإنك تستغني عنه. فضحك، ثم أمر فكتب له بذلك. قال: و المي: النبيذ.
[١] يقال: فلان ينحت أثلة فلان إذا ذمه و تنقصه.
[٢] في الأصول: «اعمل» باللام و هو تحريف.
[٣] كذا في ح. و في ب، س: «و كان يعرف باسمه إلخ». و في سائر النسخ: «و كان يعرض باسمه إلخ» و كلاهما تحريف.
[٤] لعله يعني بهذا الشعر حفصة و عائشة، و ذلك أن حفصة وجدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مع أم إبراهيم (جاريته مارية) في يوم عائشة الذي خصصه لها، فأمرها أن تكتم الأمر على أن يحرّم مارية، فأفشت حفصة ذلك إلى عائشة، فعلم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فعرّف حفصة فقالت له: من أخبرك به؟ فقال: نبأني به العليم الخبير. فآلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من نسائه شهرا. فأنزل اللّه تبارك و تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ. و قد وردت هذه القصة بروايات أخر فانظرها (في «أسباب النزول» للواحدي ص ٣٢٧ و غيره من «كتب التفسير»).
[٥] كذا في الأصل.
[٦] يريد سورة التحريم و قد قص اللّه فيها سبحانه و تعالى هذه القصة.
[٧] ميبختج: كلمة فارسية مركبة من لفظين: «مي» و معناها النبيذ، كما سيذكره المؤلف، و «بختج» أي مطبوخ.