الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٠ - أعجب المأمون ببيت من شعره و أجازه عليه بثلاثين ألف درهم
غنّه يا عمرو؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، الشعر لحسين بن الضحّاك و الغناء لسعيد بن جابر؛ فقال: و ما يكون! غنّه فغنّيته؛ فقال: اردده فرددته ثلاث مرات؛ فأمر لي بثلاثين ألف درهم، و قال: حتى تعلم أنه لم يضررك عندي.
قال: و سعيد بن جابر الذي يقول فيه حسين بن الضحّاك، و كان نديمه و صديقه:
يا سعيد و أين منّي سعيد
مراثيه في الأمين
: و لحسين بن الضحّاك في محمد الأمين مراث كثيرة جياد، و كان كثير التحقّق [١] به و الموالاة له لكثرة أفضاله عليه و ميله إليه و تقديمه إيّاه. و بلغ من جزعه عليه أنّه/ خولط؛ فكان ينكر قتله لمّا بلغه و يدفعه و يقول: إنه مستتر و إنه قد وقف على تفرّق دعاته في الأمصار يدعون إلى مراجعة أمره و الوفاء ببيعته ضنّا به و شفقة عليه. و من جيّد مراثيه إياه قوله:
صوت
سألونا أن كيف نحن فقلنا
من هوى نجمه فكيف يكون
نحن قوم أصابنا حدث الده
ر فظلنا لريبه نستكين
نتمنّى من الأمين إيابا
لهف نفسي و أين منّي الأمين
في هذه الأبيات لسعيد بن جابر ثاني ثقيل بالوسطى. و فيها لعريب خفيف ثقيل.
و من جيّد قوله في مراثيه إيّاه:
أعزّى يا محمد عنك نفسي
معاذ اللّه و الأيدي الجسام
فهلّا مات قوم لم يموتوا
و دوفع عنك لي يوم الحمام
كأن الموت صادف منك غنما
أو استشفى بقربك من سقام
أعجب المأمون ببيت من شعره و أجازه عليه بثلاثين ألف درهم
: أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال قال لي محمد بن عبّاد: قال لي المأمون و قد قدمت من البصرة: كيف ظريف شعرائكم و واحد مصركم؟ قلت: ما أعرفه؛ قال: ذاك الحسين بن الضحّاك، أشعر شعرائكم و أظرف ظرفائكم. أ ليس هو الذي يقول:
رأى اللّه عبد اللّه خير عباده
فملّكه و اللّه أعلم بالعبد
قال: ثم قال لي المأمون: ما قال فيّ أحد من شعراء زماننا بيتا أبلغ من بيته هذا؛ فاكتب إليه فاستقدمه؛ و كان حسين عليلا و كان يخاف بوادر المأمون لما/ فرط منه؛ فقلت للمأمون: إنه عليل يا أمير المؤمنين، علّته تمنعه من الحركة و السفر. قال: فخذ كتابا إلى عامل خراجكم بالبصرة حتى يعطيه ثلاثين ألف درهم؛ فأخذت الكتاب بذلك و أنفذته إليه فقبض المال.
[١] كذا في جميع الأصول و لعلها «التعلق».