الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٦ - بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم ما فعل خالد فأرسل عليا رضي الله عنه لأهل القتلى فوداهم
بحبل و قدّمناه لنقتله؛ فقال لنا: هل لكم في خير؟ قلنا: و ما هو؟ قال: تدركون بي الظّعن أسفل الوادي ثم تقتلونني؛ قلنا: نفعل. فخرجنا حتى نعارض الظّعن أسفل الوادي. فلما كان بحيث يسمعن الصوت، نادى بأعلى صوته: اسلمي حبيش، عند نفاد العيش. فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء فقالت:/ و أنت فاسلم على كثرة الأعداء، و شدّة البلاء. فقال: سلام عليكم دهرا، و إن [١] بقيت عصرا. قالت: و أنت سلام عليك عشرا، و شفعا تترى، و ثلاثا وترا. فقال:
إن يقتلوني يا حبيش فلم يدع
هواك لهم منّي سوى غلّة الصدر
و أنت التي أخليت لحمي من دمي
و عظمي و أسبلت الدموع على نحري
فقالت له:
و نحن بكينا من فراقك مرّة
و أخرى و آسيناك في العسر و اليسر
و أنت- فلا تبعد فنعم فتى الهوى-
جميل العفاف في المودّة و السّتر [٢]
فقال لها:
أريتك إن طالبتكم فوجدتكم
بحلية [٣] أو أدركتكم بالخوانق [٤]
أ لم يك حقّا أن ينوّل عاشق
تكلّف إدلاج السّرى و الودائق [٥]
فقالت: بلى و اللّه. فقال:
فلا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرة
أثيبي بودّ قبل إحدى البوائق
أثيبي بودّ قبل أن تشحط النّوى
و ينأى خليط بالحبيب المفارق
قال ابن أبي حدرد: فضربنا عنقه، فتقحّمت الجارية من خدرها حتى أتت نحوه فالتقمت فاه، فنزعنا منها رأسه و إنها لتكسع [٦] بنفسها حتى ماتت مكانها. و أفلت/ من القوم غلام من بني أقرم يقال له السّميدع حتى اقتحم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأخبره بما صنع خالد و شكاه.
بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ما فعل خالد فأرسل عليا رضي اللّه عنه لأهل القتلى فوداهم
: قال ابن دأب: فأخبرني صالح بن كيسان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم سأله: «هل أنكر عليه أحد ما صنع»؟ فقال: نعم، رجل أصفر ربعة و رجل أحمر طويل. فقال عمر: أنا و اللّه يا رسول اللّه أعرفهما، أمّا الأوّل فهو ابني وصفته، و أما
[١] كذا في ح. و في سائر الأصول: «و أنت» و هو تحريف.
[٢] كذا بالأصول. و لعلها: «و البر».
[٣] كذا في نسخة المرحوم الأستاذ الشنقيطي مصححة بقلمه و «شرح الزرقاني على المواهب اللدنية» (ج ٣ ص ٥ طبع بولاق). و حلية:
واد بتهامة أعلاه لهذيل، و أسفله لكنانة. و في ب، س: «بجيلة». و في سائر الأصول: «بحقوة» و كلاهما تحريف.
[٤] الخوانق: جمع خانق، و هو موضع بتهامة وقعت فيه حرب بين إياد بن نزار و إخوتها مضر و ربيعة فانهزمت إياد، و أصبح من بلاد كنانة بن خزيمة.
[٥] الودائق: جمع وديقة و هي شدّة الحر في الهاجرة.
[٦] تكسع: تضرب.