الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٤ - قصته مع شفيع خادم المتوكل و شعره فيه
/ دخلت يوما على المتوكّل و هو جالس في صحن خلده [١] و في يده غصن آس و هو يتمثّل بهذا الشعر:
بالشّطّ لي سكن أفديه من سكن
أهدى من الآس لي غصنين في غصن
فقلت إذ نظما إلفين و التبسا
سقيا و رعيا لفأل فيكما حسن
فالآس لا شكّ آس من تشوّقنا
شاف و آس لنا يبقى على الزمن
أ بشرتماني بأسباب ستجمعنا
إن شاء ربي و مهما يقضه يكن
قال: فلما فرغ من إنشادها قال لي وكدت أنشقّ حسدا: لمن هذا الشعر يا عليّ؟ فقلت: للحسين بن الضحّاك يا سيّدي. فقال لي: هو عندي أشعر أهل زماننا و أملحهم مذهبا و أظرفهم نمطا [٢]. فقلت و قد زاد غيظي: في الغزل يا مولاي. قال: و في غيره و إن رغم أنفك و متّ حسدا. و كنت قد مدحته بقصيدة و أردت إنشادها يومئذ فلم أفعل، و علمت أنّي لا أنتفع مع ما جرى بيننا بشيء لا به و لا بالقصيدة، فأخّرتها إلى وقت آخر.
قصته مع شفيع خادم المتوكل و شعره فيه
: أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ قال حدّثني أبي قال:
أحبّ المتوكّل على اللّه أن ينادمه حسين بن الضحّاك و أن يرى ما بقي من شهوته لما كان عليه؛ فأحضره و قد كبر و ضعف، فسقاه حتى سكر، و قال لخادمه شفيع: اسقه، فسقاه و حيّاه بوردة، و كانت على شفيع ثياب مورّدة؛ فمدّ الحسين يده إلى ذراع شفيع. فقال له المتوكل: يا حسين، أتجمّش [٣] أخصّ خدمي عندي بحضرتي! فكيف لو خلوت! ما أحوجك إلى أدب! و قد كان المتوكّل غمز شفيعا/ على العبث به. فقال الحسين: يا سيّدي، أريد دواة و قرطاسا، فأمر له بذلك، فكتب بخطّه:
و كالوردة الحمراء حيّا بأحمر
من الورد يمشي في قراطق [٤] كالورد
له عبثات عند كلّ تحيّة
بعينيه تستدعي الحليم إلى الوجد
تمنّيت أن أسقى بكفّيه شربة
تذكّرني ما قد نسيت من العهد
سقى اللّه دهرا لم أبت فيه ليلة
خليّا و لكن من حبيب على وعد
ثم دفع الرقعة إلى شفيع و قال له: ادفعها إلى مولاك. فلما قرأها استملحها و قال: أحسنت و اللّه يا حسين! لو كان شفيع ممن تجوز هبته لوهبته لك، و لكن بحياتي إلّا كنت ساقيه باقي يومه هذا و اخدمه كما تخدمني؛ و أمر له بمال كثير حمل معه لمّا انصرف. قال أحمد بن يزيد فحدّثني أبي قال: صرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكّل بأيام، فقلت له: ويلك! أ تدري ما صنعت؟! قال: نعم أدري، و ما كنت لأدع عادتي بشيء؛ و قد قلت بعدك:
[١] الخلد: قصر للمنصور العباسي على شاطئ دجلة توارثه أبناؤه من بعده.
[٢] في ح: «أعظما».
[٣] كذا في ح. و الجمش و التجميش: ضرب من المغازلة و الملاعبة. و في سائر الأصول: «أتجس».
[٤] القرطق كجندب: قباء ذو طاق واحد.