الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٩ - حكى للنشار صحبته للأمين و إكرامه له
فلا ذاك يعذر في فعله
و حقّك في الناس أن تقتلا
و أشبه شيء بما اختاره
ضراطك دون الخلا في الملا
استعطف أبا أحمد بن الرشيد و كان قد غضب عليه
: حدّثني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا محمد بن عليّ بن حمزة قال:
مزح أبو أحمد بن الرشيد مع حسين بن الضحّاك مزاحا أغضبه، فجاوبه حسين جوابا غضب منه أبو أحمد أيضا. فمضى إليه حسين من غد فاعتذر إليه و تنصّل و حلف؛ فأظهر له قبولا لعذره. و رأى ثقلا في طرفه و انقباضا عما كان يعهده منه؛ فقال في ذلك:
لا تعجبنّ لملّة صرفت
وجه الأمير فإنه بشر
و إذا نبا بك في سريرته
عقد الضمير نبا بك البصر
حكى للنشار صحبته للأمين و إكرامه له
: حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أبو محمد بن النشار قال:
كان أبي صديقا للحسين بن الضحّاك و كان يعاشره؛ فحملني معه يوما إليه، و جعل أبي يحادثه إلى أن قال له:
يا أبا عليّ، قد تأخّرت أرزاقك و انقطعت موادّك و نفقتك كثيرة، فكيف يمشي أمرك؟ فقال له: بلى و اللّه يا أخي، ما قوام أمري إلا ببقايا هبات الأمين محمد بن زبيدة و ذخائره و هبات جارية له- لم يسمّها-/ أغنتني للأبد لشيء ظريف جرى على غير تعمّد؛ و ذلك أنّ الأمين دعاني يوما فقال لي: يا حسين، إن جليس الرجل عشيره و ثقته و موضع سرّه و أمنه، و إن جاريتي فلانة أحسن الناس/ وجها و غناء، و هي منّي بحمل نفسي، و قد كدّرت عليّ صفوها و نغّصت عليّ النعمة فيها بعجبها بنفسها و تجنّيها [١] عليّ و إدلالها بما تعلم من حبّي إياها. و إني محضرها و محضر صاحبة لها ليست منها في شيء لتغنّي معها. فإذا غنّت و أومأت لك إليها- على أن أمرها أبين من أن يخفى عليك- فلا تستحسن الغناء و لا تشرب عليه؛ و إذا غنّت الأخرى فاشرب و اطرب و استحسن و اشقق ثيابك، و عليّ مكان كل ثوب مائة ثوب. فقلت: السمع و الطاعة. فجلس في حجرة الخلوة و أحضرني و سقاني و خلع عليّ، و غنّت المحسنة و قد أخذ الشراب منّي، فما تمالكت أن استحسنت و طربت و شربت، فأومأ إليّ و قطّب في وجهي. ثم غنّت الأخرى فجعلت أتكلّف ما أقوله و أفعله. ثم غنّت المحسنة ثانية فأتت بما لم أسمع مثله قطّ حسنا، فما ملكت نفسي أن صحت و شربت و طربت، و هو ينظر إليّ و يعضّ شفتيه غيظا، و قد زال عقلي فما أفكّر فيه، حتى فعلت ذلك مرارا؛ و كلما ازداد شربي ذهب عقلي و زدت ممّا يكره؛ فغضب فأمضّني و أمر بجرّ رجلي من بين يديه و صرفي فجررت و صرفت، فأمر بأن أحجب. و جاءني الناس يتوجّعون لي و يسألوني عن قصّتي فأقول لهم: حمل عليّ النبيذ فأسأت أدبي، فقوّمني أمير المؤمنين بصرفي و عاقبني بمنعي من الوصول إليه. و مضى لما أنا فيه شهر، ثم جاءتني البشارة أنّه قد رضي عنّي، و أمر بإحضاري فحضرت و أنا خائف. فلما وصلت أعطاني الأمين يده فقبّلتها، و ضحك إليّ و قام و قال: اتبعني، و دخل إلى تلك الحجرة بعينها و لم يحضر غيري. و غنّت المحسنة التي نالني من أجلها ما
[١] في ح: «و تسحبها» و التسحب: التدلل.