الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣ - بشر بالخلافة بعد موت هشام
كمقتبض يوما على عرض هبوة [١]
يشدّ عليها كفّه بالأنامل
فكتب إليه هشام: «قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع و غير ذلك. و أمير المؤمنين يستغفر اللّه من إجرائه ما كان يجري عليك، و لا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع و محو من محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدهما فإنّ أمير المؤمنين يعلم مواضعك التي كنت تصرف إليها ما يجريه عليك.
و أما الآخر فإثبات صحابتك و أرزاقهم دارّة عليهم لا ينالهم ما نال المسلمين عند قطع البعوث عليهم و هم معك تجول بهم في سفهك. و أمير المؤمنين/ يرجو أن يكفّر اللّه عنه ما سلف من إعطائه إيّاك باستئنافه قطعه عنك. و أما ابن سهيل، فلعمري لئن كان نزل منك بحيث يسوؤك ما جرى عليه لما جعله اللّه لذلك أهلا. و هل زاد ابن سهيل، للّه أبوك، على أن كان زفّانا [٢] مغنيّا قد بلغ في السّفه غايته! و ليس مع ذلك ابن سهيل بشرّ ممّن كنت تستصحبه في الأمور التي ينزّه أمير المؤمنين نفسه عنها مما كنت لعمري أهلا للتوبيخ فيه. و أما ما ذكرت ممّا سبّبه اللّه لك، فإن اللّه قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك و اصطفاه له، و اللّه بالغ أمره. و لقد أصبح أمير المؤمنين و هو على يقين من رأيه إلّا أنه لا يملك لنفسه مما أعطاه اللّه من كرامته ضرّا و لا نفعا، و إن اللّه وليّ ذلك منه و إنه لا بدّ له من مفارقته، و إنّ اللّه أرأف بعباده و أرحم من أن يولّي أمرهم غير من يرتضيه لهم منهم. و إن أمير المؤمنين مع حسن ظنّه بربّه لعلى أحسن الرجاء لأن يولّيه بسبب ذلك لمن هو أهله في الرّضا به لهم؛ فإنّ بلاء اللّه عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يوازيه شكره إلّا بعون منه. و لئن كان قد قدر اللّه لأمير المؤمنين وفاة تعجيل، فإن في الذي هو مفض و صائر إليه من كرامة اللّه لخلفا/ من الدنيا. و لعمري إن كتابك لأمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك و حمقك، فأبق على نفسك و قصّر من غلوائها و اربع على ظلعك؛ فإنّ للّه سطوات و غيرا يصيب بها من يشاء من عباده.
و أمير المؤمنين يسأل اللّه العصمة و التوفيق لأحبّ الأمور إليه و أرضاها له. و كتب في أسفل الكتاب:
إذا أنت سامحت الهوى قادك الهوى
إلى بعض ما فيه عليك مقال
و السلام.
بشر بالخلافة بعد موت هشام
: أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز، و أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء [٣] عن المنهال بن عبد الملك عن إسحاق بن أيّوب كلّهم عن أبي الزّبير المنذر بن عمرو- قال: و كان كاتبا للوليد بن يزيد- قال:
أرسل إليّ الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فأتيته؛ فقال لي: يا أبا الزّبير، ما أتت عليّ ليلة أطول من هذه الليلة، عرضتني أمور و حدّثت نفسي فيها بأمور، و هذا الرجل قد أولع بي، فاركب بنا نتنفّس. فركب و سرت معه، فسار ميلين و وقف على تلّ فجعل يشكو هشاما، إذ نظر إلى رهج [٤] قد أقبل- قال عمر بن شبّة في حديثه-
[١] الهبوة: الغبرة.
[٢] الزفن: الرقص.
[٣] كذا ورد هذا الاسم في جميع الأصول فيما سبق، و هو الموافق لما جاء في «تهذيب التهذيب» و «الطبري» في عدّة مواضع. و قد ورد هنا في هذا الموضع: «جويرية بن إسماعيل» و هو تحريف.
[٤] الرهج (بفتح فسكون و يحرك): الغبار.