الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٢ - أبو دهبل و عاتكة بنت معاوية
/
ثم خاصرتها إلى القبّة الخض
راء تمشي في مرمر مسنون
فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما قلت هذا، و إنما قيل على لساني. فقال له: أمّا من جهتي فلا خوف عليك، لأنّي أعلم صيانة ابنتي نفسها، و أعرف أنّ فتيان الشعر لم يتركوا أن يقولوا النسيب في كلّ من جاز أن يقولوه فيه و كلّ من لم يجز، و إنما أكره لك جوار يزيد، و أخاف عليك و ثباته، فإن له سورة الشباب و أنفة الملوك. و إنما أراد معاوية أن يهرب أبو دهبل فتنقضي المقالة عن ابنته؛ فحذر أبو دهبل فخرج إلى مكة هاربا على وجهه، فكان يكاتب عاتكة. فبينا معاوية ذات يوم في مجلسه إذ جاءه خصيّ له فقال: يا أمير المؤمنين، و اللّه لقد سقط إلى عاتكة اليوم كتاب، فلمّا قرأته بكت ثم أخذته فوضعته تحت مصلّاها، و ما زالت خاثرة/ النفس منذ اليوم. فقال له: اذهب فالطف لهذا الكتاب حتى تأتيني به. فانطلق الخصيّ، فلم يزل يلطف حتى أصاب منها غرّة فأخذ الكتاب و أقبل به إلى معاوية، فإذا فيه:
أ عاتك هلّا إذ بخلت فلا ترى
لذي صبوة زلفى لديك و لا حقّا [١]
رددت فؤادا قد تولّى به الهوى
و سكّنت عينا لا تملّ و لا ترقا [٢]
و لكن خلعت القلب بالوعد و المنى
و لم أر يوما منك جودا و لا صدقا
أ تنسين أيّامي بربعك مدنفا
صريعا [٣] بأرض الشأم ذا سقم ملقى
و ليس صديق يرتضى لوصيّة
و أدعو لدائي بالشّراب فما أسقى
و أكبر همّي أن أرى لك مرسلا
فطول نهاري جالس أرقب الطّرقا
فوا كبدي إذ ليس لي منك مجلس
فأشكو الذي بي من هواك و ما ألقى
رأيتك تزدادين للصّبّ غلظة
و يزداد قلبي كلّ يوم لكم عشقا
/ قال: فلما قرأ معاوية هذا الشعر بعث إلى يزيد بن معاوية، فأتاه فدخل عليه فوجد معاوية مطرقا، فقال:
يا أمير المؤمنين، ما هذا الأمر الذي شجاك؟ قال: أمر أمرضني و أقلقني منذ اليوم، و ما أدري ما أعمل في شأنه.
قال: و ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب بهذه الأبيات إلى أختك عاتكة، فلم تزل باكية منذ اليوم، و قد أفسدها، فما ترى فيه؟ فقال: اللّه إن الرأي لهيّن. قال: و ما هو؟ قال: عبد من عبيدك يكمن له في أزقّة مكة فيريحنا منه. قال معاوية: أفّ لك! و اللّه إنّ امرأ يريد بك ما يريد و يسمو بك إلى ما يسمو لغير ذي رأي، و أنت قد ضاق ذرعك بكلمة و قصر فيها باعك حتى أردت أن تقتل رجلا من قريش! أ و ما تعلم أنك إذا فعلت ذلك صدّقت قوله و جعلتنا أحدوثة أبدا! قال: يا أمير المؤمنين، إنه قال قصيدة أخرى تناشدها أهل مكة و سارت حتى بلغتني و أوجعتني و حملتني على ما أشرت به فيه. قال: و ما هي؟ قال قال [٤]:
ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهل
و ما كلّ من يلحى محبّا له عقل
[١] كذا في «تجريد الأغاني». و في الأصول: «و لا رقا».
[٢] لا ترقا: لا يجف دمعها.
[٣] في أ، ء، م: «مريضا».
[٤] هذه الكلمة ساقطة في ب، س.