الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٧ - ذكر إسحاق متيم في كتابه و كان يتعالى من ذكر غيرها
كانت متيّم تحبّني حبّا شديدا يتجاوز محبّة الأخت لأخيها، و كانت تعلم أني أحبّ النّبق، فكانت لا تزال تبعث إليّ منه. فإنّي لأذكر في ليلة من الليالي في وقت السّحر إذا أنا ببابي يدقّ. فقيل: من هذا؟ فقالوا: خادم متيّم يريد أن يدخل إلى أبي عبد اللّه. فقلت: يدخل. فدخل و معه إليّ صينيّة فيها نبق؛ فقال لي: تقرئك السلام و تقول لك:
كنت عند أمير المؤمنين المعتصم باللّه فجاءوه بنبق من أحسن ما يكون؛ فقلت له: يا سيّدي، أطلب من أمير المؤمنين شيئا؟ فقال لي: تطلبين ما شئت. قالت: يطعمني أمير المؤمنين من هذا النّبق. فقال لسمانة [١]:
اجعل من هذا النّبق في صينية و اجعلوها قدّام متيّم؛ فأخذته و ذلّلته [لك] [٢] و قد بعثت به إليك معي،/ ثم دفعت إليّ دراهم و قالت: هب للحرّاس هذه الدراهم لكي يفتحوا الدّروب لك حتى تصير به إليه.
أراد إسحاق انتحال غناء متيم فعوضه علي بن هشام عن ذلك ببرذون
: ثم حدّثنا الهشاميّ قال:
بعث عليّ بن هشام إلى إسحاق فجاء، فأخرج متيّم جاريته إليه؛ فغنّت بين يديه:
فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها
إلى بلد ناء قليل الأصادق
فاستعاده إسحاق و استحسنه، ثم قال له: بكم تشتري منّي هذا الصوت؟ فقال له عليّ بن هشام: جاريتي تصنع هذا الصوت و أشتريه منك! قال: قد أخذته الساعة و أدّعيه، فقول من يصدّق، قولي أو قولك! فافتداه منه ببرذون اختاره له.
سمع علي بن هشام من قلم جارية زبيدة صوتا فأخرجه لجواريه بمائة ألف دينار
: و حدّثني الهشاميّ قال:
سمع عليّ بن هشام قدّام المأمون من قلم جارية زبيدة صوتا عجيبا، فرشا لمن [٣] أخرجه من دار زبيدة بمائة ألف دينار حتى صار إلى داره و طرح الصوت على جواريه. و لو علمت بذلك زبيدة لاشتدّ عليها، و لو سألها أن توجّه به ما فعلت.
ذكر إسحاق متيم في كتابه و كان يتعالى من ذكر غيرها
: و حدّثني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم عن أبيه قال:
لمّا صنعت متيّم اللّحن في قوله:
فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها
أعجب به عليّ بن هشام، و أسمعه إسحاق فاستحسنه و قال: من أين لك هذا؟ فقال: من بعض الجواري.
[١] هو سمانة الخادم و يدعى مسرور سمانة (انظر الكلام عليه في «تاريخ الطبري» (ق ٣ ص ١٣٦٧، ١٣٧٤، ١٣٧٧، ١٣٧٨) و في أكثر الأصول: «لسمانة اجعلي» خطابا لمؤنثة. و في س: «لشمانة اجعلي». و الظاهر أنهما تحريف من النساخ.
[٢] هذه الكلمة ساقطة في ب، س.
[٣] الذي في «معاجم اللغة» أن «رشا» يتعدى إلى مفعوله بنفسه.